نزار حسين راشد: “من مفكرة فتاة”

نزار حسين راشد

كنت فتاة شقراء،نحيلة الوجه،بعينين خضراوين،وكأن وجهي تشرّب كل نقاء وبراءة البيئة الريفية،التي كنت أعيش فيها،ولفَح هواؤها وجنتي،فاحمرّتا،كخوختين على وشك النضج .

كانت أمي شديدة الخوف علي،من أن يغري هذا الصبا المشرق،شيطاناً ما،ولكن بيئتنا كانت آمنة،فهناك كثير من المحاذير،تترتب على التحرش بفتاة،ولكن الشر أعمى أصم،كما كانت تقول إمي!

في الصف السادس ،ارتديت الحجاب،طوعا ودون كثير إلحاح من أمي.

كان السفور دعوة للإنتهاك،ضمن الحدود والمحاذير،ولكن الملابس غير المتحفظة،كانت تغري الفتيان بالإقتراب،وإلقاء كلمات الغزل والتودد على مسمع الفتيات،اللاتي كان بعضهن يرد بجفاء،او يطلقن الشتيمة نحو هؤلاء الفتيان،الذين كانوا يرجعون من الغنيمة،بهذا الإشتباك اللفظي،الذي يشبع في نفوسهم جوع الرغبة،على نحو ما!

كبرتُ واجتزت هذه المرحلة بأمان،وسرت الحياة في جسدي،واستيقظت العواطف والخيالات!

كنت متعالية على نحو ما،وكأنني أميرة،تبحث عن مجدها الضائع،وكان بخار القهوة على الشرفة،ولحن جميل،استحضارا لروح أميري الهاربة:

غنّ أحبك ان تغني وتحدث الأطيار عني

عيناي رف خميلة

خضراء من بعض التمني

كلماتٌ كأنما يهمس بها في أذني،أمير خيالي!

خضت التجربة الجامعية،وكأنني شبحٌ سرى بينهم،وكأن الرجال نمطٌ مكرر،خشب مسنّدة،لا توقظ ربيع قلبي،او تبث فيه الحياة،وأصيبت أمي بالهلع،من أن يفوتني القطار،وأتحول إلى سلعة كاسدة،وكادت تقبل يدي أن أقبل واحداً من أولئك الخاطبين،الذين لم أملك نفسي من النظر إليهم بدونية، ثم التقيته على حين غرّة،رجل تجاوز الخمسين،غزا الشيب مفرقه،ووخط جانبي رأسه،ولكن في نظري العاشق،لم يكن ذلك إلا هالةً نورانية بيضاء،تؤطر ابتسامته الآسرة،وترسم حولها إطارا جميلاً،لقد وقعت في الحب ورغماً عني،أمي التي تفكر بانتهازية تامة،صمتت عن الموضوع لتمتحن مدى إصراري ربما،او لتتعامل مع هذه الفرصة،كملجأٍ أخير،إذا لم تلُح في الأفق فرصة بديلة!

كلماته تطربني،لقد تحولت حياتي إلى سيمفونية،مفاجآت صباحية ،بإيقاع جميل،كان يكتب فيّ القصائد،كلمات لي إنا بالذات،تمتدح خصوصياتي،وليس كلاما مرسلاً ككلام الأغاني!

حضوره يطرب أناي،أناي الضائعة،يردها إلي،فأطلق افتتناها نحوه،وكأنه تجاذب أرواح،حوار لا نريده أن ينتهي!

لقد تملكتني الجراة فجأة،جرأة أيقظها تشجيعه،كانت دفينة حتى حينه في أعماقي الخجولة،واندفعت نحوه في تهور،أقول ما أريد أن أقول.دون تحفظ،ثقة انتقلت إلي عدواها،من شخصه هو،وكنت أعلم أن كل ما أقول،سيلقى لديه الهوى والقبول،حتى لو كان تجديفاً او مكراً اوحتى كفراً،فهو بحبني حبّاً مجانياً خارج كل المعايير،حُباً إلى درجة العشق والتوله،أو حتى العبادة،حباً يرفعني إلى مصاف الملكات،ويوقفني عاجزة عن أن أبادله إياه بكل ذلك الزخم،فأفتح أبواب قلبي له على وسعها،وأقنع بالترحاب والقبول!

واخيراً قررت أن أضعه في الامتحان،وألقيت بسؤالي في وجهه عارياً بلا اي رتوش:

– ما رايك في الزواج بين اثنين بينهما فارق سن كبير،هل هناك فرصة للنجاح؟

لم يهرب من السؤال بل سألني مباشرة وهو يصب عينيه في عيني في وله لا يضاهى:

– هل تقدم إليك أحد مؤخراً؟

كنت مضطرة إلى الصدق،رغم أني خشيت أن أفقدهٌ:

– نعم هناك شاب وهو يعجب أمي،وأمي ككل الأمهات متلهفة عل  تأمين مستقبلي!

– إسمعي،الزواج برُّ أمان أما الحب فمغامرة،لا ندري إلى متى نعيشها،إقبلي به وعيشي حياتك كما ينبغي أن تكون وكما يطيب به خاطر أمك والعائلة!

لم يصدمني جوابه وكأنني كنت أتوقعه،وعشنا لقاءاتنا بعد ذلك،لم تفتر نشوتها،ولا غاضت متعتها،إلى أن آن أوان الرحيل!

لا زال يكتب في قصائد العشق ويطلقها في الفضاء المفتوح،فأقرؤها وتشعلني حبّا وكأنني أولد من جديد!

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. رائعة وذكية هذه الشقراء ….تزوجت بعد العشق امراتين مثلها…واحدة من شمال الارض..واخرىمن جنوب جنوبها…واتقاعد الان في الوسط بينهما باليونان…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here