نزار حسين راشد: محطات في حياتي

نزار حسين راشد

في ذلك الزمن،كانت الدوائر الثقافية إما مخترقة أمنيّاً أو مؤدلجة معدومة النفاذية أو كليهما معاً،وكان من الصعب اختراق فلاتر النشر بغير تزكية أو أوراق اعتماد،لم يحدث هذا في الأردن فقط،بل على امتداد الوطن العربي،فقد نشر السدنة القدماء المتصالحين مع الأنظمة السياسية حواجزهم أمام كل صوت جديد يخالف رؤاهم،في مصر أو في ظل أولياء النعمة الجدد في دول الخليج العربي،وبيئة كهذي لا تحثك إلا على  الهرب،لجأ كثيرون إلى بيروت كساحة وحيدة باقية،وفي ظل هيمنة فلسطينية،يختلط فيها الحابل بالنابل،ولا تخضع لعملية الفرز التقليدي،أما أنا فوجدتها فرصة لأثري رصيدي المعرفي وأتشمس أو أتفيّا ظلال الثقافة عبر مواسمها الراحلة،فارتحلت إلى الهند لدراسة الأدب الإنجليزي،وكانت سياحة طويلة غنية وممتعة،كان أكثر ما ميزها تعرفي إلى الأدب الجديد المدهش،الذي أبدعته أقلام هنود متنجلزين أو انجليز متهندين،وتعرفت إلى هذا اللون من الأدب الهجين بكل أبعاده الممتعة وإدهاشاته ،إضافة إلى الكلاسيكيات الإنجليزية المتربعة على القمم،وصولاً إلى ألفيس بريسلي الحداثة الشعرية،توماس إليوت وأرضه الخراب،ورقصته مع ألفريد بروفريك وقصة حبه العجيبة.

وهكذا عدت إلى بلدي مسلحاً حتى الأسنان لألتقط طرف الخيط مجدداً حيث انتهى،وكانت الأوضاع في الأردن قد تغيرت،واسترخت القبضة الأمنية،ورُخصت الأحزاب السياسية،إلا أن ذلك لم يكن إلا كشطاً على السطح،فسرعان ما عُدّل قانون الإنتخاب،وحوصر الرأي الحر بطريقة أو بأخرى لحساب اتفاقية سلام طارئة مع العدو الإسرائيلي أو المعروفة باتفاقية وادي عربة، وسلمت الصحف والمنابر الإعلامية إلى المتعهدين والمطبعين الجدد،ومقاولي عملية السلام،حتى وصل الأمر بوزيرة ثقافة أن تهدد مقاومي التطبيع مع إسرائيل،وعدنا من حيث بدأنا ولكن بفارق نوعي هذه المرة،هو الأصوات المتحدية التي رفضت العودة إلى بيت الطاعة،ومع ذلك كان الحصار مفروضاً من خلال التراخيص الرسمية،التي لا تمنح إلا لمن هو داخل العب أو داخل الجيب،وكان من الصعب جداً المشاركة في الزفة وبقي متنفس وحيد،هو الصحف اللندنية التي لم يطلها المزاد الخليجي،الأغرب من ذلك أن الصحف المصرية لم تكن لتُدخل إلى حوزاتها المغلقة من لم يحمل خاتم شيخ طريقة من الطرق،الناصرية،الاشتراكية،الشيوعية أو المنظومة التقدمية الموروثة،التي مثلها سياسياً خالد محيي الدين ثم رفعت السعيد وثقافياً أحمد عبد المعطي حجازي ورضوى عاشور وأحمد فؤاد نجم والذين انتهوا إلى الإرتماء في أحضان أكثر الديكتاتوريات العسكرية دموية عقب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ التي أوصلت الإخوان المسلمين إلى الحكم،لا بل إن حزب التجمع بقيادة رفعت السعيد أصبح من شهود يهوة منذ عهد مبارك،ولم يعد لهذه الواجهات السياسية المفلسة من يافطة ترفعها سوى معاداة الدين ممثلاً بالإخوان المسلمين.

وفي ظل الأوضاع السياسية التي سادت خلال تلك العقود من حياة الأمة أصبح المشهد الثقافي بائساً وتصحّر بالفعل وانتهت كل الأسماء التي صحبتُها في البدايات الواعدة إلى رؤساء تحرير ومحررين في صحف خليجية،أو كتاب أعمدة يمارسون النقد الخجول في ظل ديمقراطية مقيدة  ومشدودة بأرسان قصيرة!

لم يكن من السهل التنبؤ بمسار الأحداث وفي ظل أوضاع راكدة كهذه ومُطفأة المحركات ولم يبق إلا خيار واحد هو أن تضع قلمك في جيبك وتطوي أوراقك بانتظار ما سيأتي به الغيب.

وعلى غير انتظار تفجر المشهد العربي وانهارت ديكتاتوريات صامدة وعتية بين يوم وليلة،واصبح جسد بوعزيزي المحترق في تونس رمزاً درامياً للعهد الجديد،وشاب المشهد ما شابه فلا بد للنار أن يصحبها سناج ودخان،ولكن الروح الثورية ولدت من جديد،وجُردت الأقلام من أغمادها وفتحت التكنولوجيا المنابر على وسعها ،وطارت الحمائم والصقور حرة في هذا الفضاء المفتوح ،ولم تعد تجدي لا السجون ولا القيود فهي تطلق بالعكس وتصنع أبطالاً وتشعل أرواحاً بين ليلة وضحاها،وهكذا يُسجّلُ التاريخ يوماً بيوم وساعة بساعة ،إنه حريق لن تخمده كل خراطيم ثاني أكسيد الكربون مهما غلظت فوهاتها،ونحن بالفعل واقفون على الجمر بانتظار ما سيأتي به الغد وإن غداً لناظره قريب.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here