نزار حسين راشد: ما مستقبل السودان السياسي بعد توقيع الوثيقة الدستورية؟

نزار حسين راشد

توقيع الاتفاق السوداني أو ما سمي بالوثيقة الدستورية، لا يمكن قراءته إلا بوجهٍ واحد، لقاء في منتصف الطريق، قبلت به قوى الحرية والتغيير بتحالفات المجلس العسكري الخارجية، مع السعودية والسيسي وحفتر، وقبل بموجبه المجلس العسكري بتقاسم السلطة.

عض الأصابع أوصل الطرفين لنقطة اللقاء هذه، فقد أوضح المجلس العسكري بما لا يدع مجالاً للشك، أن كلفة الدماء ستكون عالية، في حال استمرار الشارع بالهيجان، وتمسك الحرية والتغيير بسقف المطالب العالية، وأثبت الحرية والتغيير أنه قادرٌ على تحريك الشارع، حتى ولو بكلفة الدماء.

مع ذلك فعلى المدى الطويل، سيجد الحرية والتغيير نفسه وحيدا ومرهقا، وبدون أطواق حماية، كونه أقصى القوى الأخرى الإسلامية على وجه الخصوص ووجه لهم اتهامات ترقى لمستوى خيانة الثورة، ووصفهم بحلفاء البشير.

وهذه أحد مزالق العناوين الثورية، سيولة الإتهامات، والتشنج الثوري والتمركز حول الذات، ومن ثم الإمساك بأول طوق نجاة، حين تنطفيء فقاعات الحماسة الثورية، وتبدو مطالبها مستحيلة على أرض الواقع.

وهكذا تدفعه العزة بالإثم والرغبة في الإنفراد بالقرار، إلى التوقيع مع الطرف الخطأ، أو الخصم اللدود.

فكيف سيكون  شكل المستقبل السياسي للسودان؟

سيقبل العسكر حتماً بحكومة مدنية يديرونها من خلف الستار، ولكن كيف سيحلون العقدة مع الحركات المسلحة في دار فور، ولإدراكهم لخطورة هذا الأمر، فقد حرصوا على حضور هذه القوى في المشهد السياسي، ووعدوهم بمشاركة قوية حتى ولو بالمحاصصة، مقابل إلقاء السلاح والتحول إلى أحزاب سياسية، لو نجحوا في ذلك فسيكون هذا إنجازاً كبيراً، ورغم ذلك فإن الإصرار على إدارة الظهر للقوى والتيارات الإسلامية وحتى شبه الإسلامية كحزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، سيفضي إلى مواجهة حامية في الانتخابات التشريعية، قد تنسف المشروع السياسي من أساسه، خاصة إذا تم صياغة قانون انتخاب هدفه التضييق على هذه الأحزاب ومحاصرة فرصها او حتى مصادرتها في الفوز.

الفتيل لم ينزع من برميل البارود السوداني خاصة إذا أخذنا بالاعتبار نوايا حلفاء النظام الجديد المجربة تجاه أي مشروع ديمقراطي وما الذي ستفعله عملياً لتعطيل مثل هذا المشروع، خاصة وأن أحد أسلحتها هو المال الذي ستنفقه بسخاء في الانتخابات القادمة، لترجيح الكفة الأكثر ولاء لسياساتها، وتأثير المال لا يمكن إنكار مفعوله، حتى في سياق انتخابات ديمقراطية، وحتى في الديمقراطيات الراسخة فكيف بالوليدة الناشئة

المشروع السياسي الوليد سيبقى مهتزاً على ركائز قلقة، وربما يصمد أو ينهار وربما تتجدد الثورة،  وربما يحدث انقلاب عسكري على العسكر الذين تفتح السُّلطة شهيتهم بضم السين، فأنا لا أقرأ أية حكمة لا في موقف العسكر ولا في موقف الحرية والتغيير الذي قزّم دائرة تحالفاته، تحت عنوان ثوري أجوف، انتهى به إلى جلوس خجول في حضن طغمة عسكرية، الرهان عليها مغامرة كبيرة قد لا تفضي لأي خير.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لا اعرف السياسة الداخلية السودانية، لكن ارى ان الاحزاب العربية، وفي بلدي خاصة، اراها اضعف مما كانت عليه في السبعينات والثمانبنات، و من ان تجابه السلطة، وقد تخلت عنها الشعوب. وهذه حالة عالمية. انظر لماكرون وترامب.

    قوى التغيير نهجت منهجا لا حزبي.

    اما عن الثورات، نحن في مرحلة 2.0 ، اي الشعوب وعت الدرس الاول. واليوم ليس كالامس. درس السلمية واللاتحزب وخيانة الاخوة الاشقاء والغرب وبرودة الشيوخ. اخيرا، لا يمكن للمال الخليجي ان يشتري كل الحكام والسفهاء والرويبضة العرب.

    السودان تقدم خطوة الى الامام عن العرب.

  2. شرحت واجدت تصويرا لماجرى في السودان وان ابطنت متسائلا (استفهام استنكاري ) كما ولجت في ذيل مقالك تاركا المحصلّة للمستقبل وهذا ما اشرنا اليه تعليقا بهذا السياق على صدر رأي اليوم الغراء منبر الإعلام المعرفي وبلج الحقيقة بحلوها ومرّها وجديدها “السبق الصحفي “على قاعد ة الكلمة الحرة والنقد التفاعلي؟؟؟؟؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here