نزار حسين راشد: ما الذي تقوله رواية عروس المطر لبثينة العيسى؟

نزار حسين راشد

 من خلال سرديّة مشبعة، فارهة، كغيمة مثقلة بالتفاصيل، تصبّ على صفحة وعينا بثينةالعيسى زخّات حياتها المترعة  بقلق الأسئلة، دون فواصل، ولا فرصة لالتقاط الأنفاس! فأول ما تفجؤنا به صورة كافكية، لخِلقتها الدميمة، أرادت لها ان تكون بعبعاً بقرون، ينطح الوعي، ليوقظه من غفلته أو غفوته:انظر كم أنا قبيحة:

” كنت زرقاء مشعّرة بعينين جاحظتين وأنف مدقوقة”

” رأيتني ممددة على صفيح من القصدير مثل بطة مشوية، وكثير من الديدان تأكل من جسديٌ”

إنها تستدعي إلى ذاكرتنا الأدبية صرصور كافكا المقلوب على ظهره!

ولكنها خلافاً لصرصور كافكا ليست مستسلمة لواقع القبح الذي تتخيّله، رغم أنها تحمله على محمل الجد، كواقع مفروض عليها، وجاثم كوحش على طر يق حياتها، ولكنها تربد التعامل معه والإلتفاف حوله، فتجد لها قريناً تحاوره هو شبح  أخيها، التوأم الوسيم المحبوّ بكل ما حرمت منه هي ، وتجد لها نموذجاً مثاليّاً في معلمتها حصّة، المحظيّة هي أيضاً بكل مزايا الجمال المناقض لدمامتها الشخصيّة، التي تؤرّق وعيها بلا هوادة ودون توقف إلا في محطّة الأحلام، السوريالية ولكنها طريق للنجاة أو الهرب على أية حال، حيث تتعرّى الحقيقة، دون خوف أو خجل، وفي محاولاتها المحمومة للتفلت من هذا الأسر الكوني الذي ارتهنت له منذ لحظة الميلاد، تخلع على معلّمتها حصّة كل صفات الشهرزاد:

“بشرتها متوردة بإفراط، رقيقة بإفراط، عيناها لوزيتان ناعمتان، مكللتان برموش باذخة، وابتسامة قادرة على تجميد الزمن”

لماذا يذكرنا هذا الافتتان، بافتتان بطل يو كيو ميشيما، الضعيف الخجول، بالصبي الأكبر منه سناً في المدرسة،  المفتول العضل، والمهيمن والجريء، ربما يخفي هذا الإفتتان نزوعاً جنسياً خفيّاً،  وهو واضح في حالة بطل ميشيما، رغم أنه مكبوت وممنوع من الصرف، أما في حالة بطلة العيسى، فهو ممنوع من الطفو على سطح الوعي، ومغطى بكل أعذار التواصل الإجتماعي وتحايلاته!

حتى أنها غير منجذبة للزواج من رجل، وتهدر الفرص بطريقة لا واعية، ولعل هذه النزعة الجنسيّة تحولت إلى حالة متسامية، فهي تتذرع برغبتها في كتابة كتاب عن معلمتها، لتعاينها عن قرب، وتقتحم عالمها الشخصي أو صندوق أسرارها كما تسميه، في أخص خصوصياته، ولكنها تعود بالخيبة حين تكتشف أن معلمتها مجرد امراة عادية، متعلقة برجل لا تعرفه إلا لماما، وصائمة بانتظار عودته الموعودة، وهنا تتهشم المرآة وتبدو السندريلا على حقيقتها، امرأة عادية مخيبة للآمال،  ومتعلقة برجل!

ولعل ما فجع أسماء حقاً، وهذا اسم البطلة، هذا التعلق برجل، فهي في لا وعيها مفتتنة بعلمتها بطريقة جنسية، ولهذا تتحطم الصورة بلا مقدمات، وتترك أسماء وحيدة مع أخيها الذي تكتشف أنه شبح، ولكنها ترفض أن تصحو على هذه الحقيقة، ولا تستيقظ رغم كل محاولات أمها!

فما الذي تريد العيسى لروايتها أن تقول لنا؟

ما تريد أن تقوله قالته في فلتات لسان بطلتها: الحرية المفقودة أن تكون نفسك برغم كل شيء، لا مجرّد نموذج إجتماعي داخل زنزانة، يطل فقط من نافذتها عل واقع مخيب!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here