نزار حسين راشد: “قمر وثلاث نجوم”

نزار حسين راشد

كيف يعمل الخيال؟ ما الذي يستحثه أو يستفزه أو يحرره ويطلقه من عقاله؟

هل هي العاطفة؟الحب؟أم الإفتتان؟

ابني المفتون بالرسم،يرسم قمراً كبيراً،في كمال الإستدارة،وكأنه ابتسامة كبيرة منيرة،وحوله ثلاث نجوم،ثلاث نجوم فقط لا أدري لماذا،فهذا سرٌّ آخر من أسرار هندسة الخيال،والنجوم ساطعة مشعة،تُبرق في حفاوة!

استوقفتني الصورة،وحاك في صدري سؤال:

هل تستطيع أن ترسم قمراً حزيناً؟سألته

– بالطبع! أجاب

– وكيف ستفعل ذلك؟

– ربّما أجعل اللون أغمق قليلاً! والنجوم كابية أو أقل سطوعاً،وربما أخفي إشعاعاتها،أو أجعلها تنسدل إلى تحت،بدل أن تندفع إلى الأمام! وحينئذٍ ربما تبدو كعاشقاتٍ ثلاث،تندب قمرها الميّت!أو الموشك على الرحيل،وكأنها لحظة وداعٍ حزينة!

عجيبٌ،أليس كذلك ؟والحقيقة أن القمر باستدراته الوضيئة،بدا لي كوجهٍ أثير،وجهٍ أُحبّه،أما النجوم فكأنها ماسّاتٌ حول جيد الأميرة الناصع، أو دُررٌ رصّعت ثوبها العرائسي!

لطالما تغنّى الشّعراء بوجوه الحسناوات القمريّة،وحتى في سيرة عنترة يقول الراوي: وعبلة بينهن كالقمر بين النجوم،وحتى في الأغاني الشعبية: كل البنات نجوم وهي قمرهن! ولكن يبقى السؤال يلح: لماذا يثير الفنّ شعراً أو رسماً أو أغنية،عواطفنا وشجوننا! لقد تطوّع العلم للإجابة عن ذلك:

مراكز في الدماغ الإنساني تستجيب للمثيرات،وهي مراكز متخصصة،حتى أن هناك خلايا لاستقبال المؤثرات الموسيقية والاستمتاع بها! ولكنّ عقلي يرفض أن يختصر الإنسان،إلى جملة عصبية،وإلا فلماذا التفضيل إذن؟ ولماذا  لا تكون كل الجميلات سواء؟ ولماذا هي القمر وهُنّ حولها النجوم! ليس ذلك فقط فوالدي الشاعر رحمه الله لفت نظري مرّة إلى أن التشبيه العكسي،زيادةٌ في البلاغة ومرّة أخرى استشهدَ بالقمر: فقولنا القمر كوجهك أبلغ من قولنا وجهك كالقمر! فلعلّه سرّ اللغة إذن وليس سرّ الأعصاب،ولكن لماذا القمر،الذي يبقى جميلاً حتى لو جعلَتْ ريشة ابني الفنان وجهه أكثر كآبة، فلا سبيل للتدليل بالقمر على القبح،فوجهه الحزين لا يفقد سرّ جماله! ويبدو أنه لكل منا قمره في هذا المطلق الكوني” وكُلٌّ في فلكٍ يسبحون” فهل أصدق من الله قيلا؟!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here