نزار حسين راشد: قصة قصيرة.. “امرأة تبحث عن دور”

 

نزار حسين راشد

 

لقد صغُرت كثيراً في عيني المدير،حين جاءت تطلب أجرتها عن المحاضرة التي ألقتها لطلاب المدرسة العربية التي تناضل ليبقى شراعها مرفوعاً في بحر الإحتلال،لم يُخفِ المدير مشاعر الإستهانة بهذه السيدة ذات الإسم الوطني الكبير،والتي ضنّت على أن تتبرّع بهذا الجهد القليل ،ولو كَلَفتة تعزّز صورتها كشخصية وطنيّة بارزة ،وحدّجها بنظرات تنم عن الإستخفاف ومن أعلى إلى أسفل تعبيراً عن احتفاره لموقفها هذا،ولينقل إليها شعوره هذا بلا مواربة،وبعد برهة صمت تعمّد استطالتها أبلغها  ببرود قاتل:لن أدفع لك شيكلاً واحداً!

هذه السيدة أعرفها جيّداً ،إنها كتلة من العقد النفسية،بعكس ما توحيه إليك للوهلة الأولى،فهي تتلقاك بوجه ودود،وتمنحك الفرصة للتودد إليها ومغازلتها حتى،مستغلّة ما تبقى لها من فتنة بعد الأربعين،ثم لا تلبث أن تتنكر لك فجأة وتطردك من حياتها بلا مقدمات،ولا تقف عند ذلك الحد بل تبدأ بالتشهير بك في مدوناتها وكتاباتها،متباهية بأنها صدّت كُلّ تودداتك،وتصورك وكأنك ارتميت تحت قدميها،ولكن كل تزلّفاتك السخية تزحلقت على حائطها الأملس لتستقرّ تحت حافته السفلى،وهكذا سترفع ثوبها متقمّصة دور بلقيس وتتخطاك بكبرياء الملكة!

لقد كان لي معها تجربة قصيرة انتهت بمثل تلك الرعونة والجفاء اللاتي وصفتهما!

والغريب بالنسبة لي أن موقفها هذا بدل أن يصدمني،أغراني بالشروع في تحليل شخصيتها الغريبة،ولكن حتى اطّلاعي الواسع على مدارس علم النفس لم يسعفني كثيراً!

في البداية افترضت سائراً على خطى فرويد أن هناك اضطراباً بعلاقتها بوالدها شكّل لها عقدة انسحبت على علاقتها بالرجال، ولكن سرعان ما تبين لي خطأي حين استفسرت عن تاريخ العائلة من أناسٍ مقربين.

هل يمكن أن تكون الإيجو أو تضخم الذات،ولكن الذات المتضخمة تسبر في الشوط إلى نهايته منتهزة كل لحظة تعزز فيها هذا الشعور!

النرجسية؟ ممكن! ولكن الشخصية النرجسية تكون مجردة من العدوانية،خلافاً لهذه المرأة الهجومية التي تستدرجك إلى حلبتها لتشبعك لكماً بعد ذلك!

الرُّهاب مثلاً؟ ولكن الرهابي يتجنب الموقف من البداية ولا يسلم نفسه له ثم يقرر الإنسحاب!

لم يتبق إلا فرضية أنها شاذة جنسياً أو مسترجلة، ولكن ذلك مخالف للواقع تماماً فملامحها تنطق بالأنوثة بكل ما في الكلمة من معنى وتترك لديك الإنطباع انها أنثى رقيقة هشّة الأنوثة تغري أي رجل بمحاولة الإستيلاء عليها،وعدا عن ذلك فليس لها صداقات ولا علاقات أنثوية، لا بل إنها تتجنب إدخال الإناث إلى حياتها!

كل ذلك لم ييئسني،وكنت مصراً على حل تلك المعضلة،فهناك حسب قناعتي مفاتيح لكل شخصية  ولا بد أن أعثر عليها.

المنهج العلمي يقول:إجمع المعلومات،صنفها ثُمّ اعثر على القواسم المشتركة.

وهكذا بدأت في تتبع تفاصيل حياتها فماذا وجدت؟

تبين لي وحسب منطوق المثل الشعبي أنّ في كل عرس لها قرص،بمعنى أنها تؤكد حضورها في كل نشاط أو محفل أو ندوة،ولا تكتفي بالحضور فقط بل تبذل جهدها لتكون نجمة ذلك المحفل!

ليس ذلك فقط بل إنها تتقدّم لشغل كل وظيفة عليا شاغرة،وتقبل حتى بموقع متوسط دون طموحها،على أمل ان يكون درجة تصعد عليها للدرجة الأعلى!

وهكذا أفنت حياتها بحثاً عن المجد والشهرة والعظمة ولكن ما حظيت به كان مجرد جوائز تقديرية ووقوفاً مؤقتاً تحت الضوء،ثم عودة إلى الظل تحفزها لمواصلة البحث من جدبد.

فلم تحظ بالموقع الذي تريده،وزيرة أو شيء من هذا القبيل،ولبثت في موقعها الذي تشاركها به كثيرات غيرها،أكاديمية مثابرة يمكن أن تغطي مساحة هنا أو نشاطاً هناك،الأمر الذي أراهن أنه يسبب لها الإختناق!

مشكلة هذه المرأة انها تصوّب على الشجرة الخطأ،فلا احد يمكنه ان يجعلك أميرة إلا رجل يحبك لذاتك،بكل ميزاتك وعيوبك،ضعفك وقوتك،جمالك أو قبحك،ولكنك يا صديقتي أخطأت الطريق!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here