نزار حسين راشد: “قصة حب”

 

 نزار حسين راشد

لا أدري لماذا خطر لمعلم اللغة العربية،  المحبب إلى قلبي،  أن يقرأ علينا في ذلك الصباح،  قصة حب عاطفية،  بدلاً من الدرس المعتاد، كانت قصة قصيرة،  مترجمة عن مجلة الريدرز دايجست،  الشائعة في ذلك الحين!

لم تكن القصة مؤثّرة كثيراً، رغم أن كاتبها قصد أن يمس عواطف القاريء،  من خلال علاقة بين شاب بسيط ابتدأ حياته للتو عقب تخرجه من الجامعة، وبين ابنة أحد البرجوازيين الأثرياء، الحكاية تبدأ من الآخر،  بعد زواجه من الفتاة بسنوات، وهو يذكٍرها بكل تلك الأيام،  حين كانت تجمعهما اللقاءات،  في بداية علاقتهما،  حين كان ينفق راتبه كله،  ثمن بدلة أنيقة،  ليبدو مقبولاً في وسطها الإجتماعي،  أو على الأقل، حتى لا يبدو في نظرها أقلّ من شبّان تلك الطبقة، وظننت لوهلة أن معلمي الخريج بدوره والمعين حديثاً بوظيفة معلم جامعي من الدرجة الأولى يرى نفسه في صورة ذلك الشاب، ولم يخطر لي على بال، أن يكون هو نفسه قد وقع في الحب!

لكزني صديقي جميل، أثناء انغماس الأستاذ في القراءة، وأشار إلي أن أنتظر حتى ينتهي الأستاذ ويخرج، ثُمّ باح لي بالحقيقة:

– أتعرف تلك الفتاة، جارتكم أخت السفير؟

– عن أية فتاة تتحدث؟

– الفيلا التي مقابل بيتكم، ذات الواجهة الزجاجية!

أخوها صديقك، يلعب معكم الكرة؟!

وأشرقت صورتها في ذهني فجأة:

-آه! أخت رياض ، عائشة!

-أيوىىى، عليك نور، هذي هي!

– ما لها؟

-ألم تفهم بعد؟ أستاذك واقع في حبها، حتى شوشة رأسه!

كنت ألمح عائشة من خلال زجاج الفرندة، وهي تتدرب على الرقص، كانت تدير أسطوانة الموسيقى على أعلى درجة،  وتشرع في الرقص دون أن تتكلّف عناء إسدال الستائر حتى، وكان هذا يثير عجبي، ففي تلك الأيام، لم يكن هناك مسابقات رقص لتشارك بها، ولم يكن أحد يحفل بإتقان الرقص، فلم يكن هناك محافل إجتماعية، يمكن أن تستعرض فيها عائشة موهبتها، ولا حتى في حفلات الأعراس التي ترقص فيها النساء الرقص البلدي التقليدي!

ولكنّ جميل تكفّل لي بتفسير كل ذلك فيما بعد فحيث أن أخوها سفير، فهي تذهب معه لحفلات السفارة، حيث تأمل أن تصطاد إعجاب أحد الديبلوماسيين الشبان، وبالتالي فإن حظوظ أستاذك قليلة، وهو يعرف ذلك ولذا تراه محزوناً ومكتئباً!

وحكى لي جميل باقي القصة، قال أنهم مواطنون لدولة أجنبية يحملون جنسيتها، إضافة إلى كونهم أبناء بلد، وهذا هو سر تعيين أخيها سفيرأً لهذه الدولة، أما كيف تعرّف أستاذنا بهم، فقد اختاروه ليعطيهم دروساً خصوصية في اللغة العربية، بمن فيهم عائشة طبعاً،  وهكذا وقع في حبها، وإلى الآن لم يتجرّأ أن يقدم على طلب يدها!

أستاذي عبد الله تربطني به صداقة عميقة، فكلانا يستعذب الشعر وينظمه، وأنا الذي عرّفته على أمل دنقل وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي، حين اكتشفت أن الزمان قد توقف به عند جماعة أبوللو ، وأنه لا يزال يقرض الشعر العمودي!

ولكن الغريب حقاً انه يسقط حالته على القصص القصيرة بدلاً من الشعر، بالرغم من كونه لا يكتب القصة القصيرة، ولم يكن منجذباً إلى عالمها من قبل!

تمنيت أن تنتهي هذه الحكاية بخاتمة سعيدة، ولكن أخا عائشة نقل إلى بلدٍ آخر، وانتقلت معه العائلة، وكل ما حظي به الأستاذ كان هدية ثمينة وحفلة وداع رقصت بها عائشة  أمامه دون خجل، وكأنها ترقص على جراحه، هكذا علّق جميل، ومن ثمّ أطلق عليه لقب: الحبشي الذبيح، وعقّب بسخريته اللاذعة، إن ذلك يناسبه، كونه صاحب بشرة سمراء!

وفي أول يوم بعد رحيل عائشة، حضر أستاذنا ببدلته القديمة، ويبدو أنه قد حفظ بدلاته الأنيقة باهظة الثمن، التي اشتراها خصيصاً، ليكبر في عيون عائشة في خزائن الذكرى!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here