نزار حسين راشد: عن الحُبّ والفقدان والذاكرة

نزار حسين راشد

الحُبُّ ليس الشخص،إنه خدعة الذاكرة،التي تعيد إنتاج ذاتها،بلا توقف،فبرزخ الزمن كافٍ لتغيير أي شخص،فنحن كماء النهر،نتغيّرُ دون أن نحس،فما دام المجرى هو ذاته،فإننا لا نكترث بالمراجعة،ولكن كيف تصمد الذاكرة العاشقة،في وجه تيار الزمن الجارف،إنها كحوامل الذاكرة،تعيد العرض،كلما أدخلناها في شق المُشغّل،الدماغ،ذلك السر الإلهي الذي لا نعرف عنه الشيء الكثير.

وهكذا فحين يلتقي عاشقان قديمان،تستيقظ اللوامس والحسّاسات،ما لم يكن قد عدا عليها العطب،ما لم تكن مقاومات الحياة،قد عدت على ذلك الفيروس الذي ندعوه بالحب وأفقدته حيويّته.

الحب الذي ربما يكون قد ولد في لحظة،أو في سياق سلسلة زمنية،من الاحتكاكات المتتابعة،التي ندعوها بالتواصل الإنساني،في حالة الحب يجري التواصل على عمقٍ ما،تحت سطح الحياة،الذي يحمل الشؤون اليومية.

إنها تجربة شخصية وفريدة،تتم عبر نواقل ما،حافلة بالتفاصيل،تلك التفاصيل،التي نحولها إلى حلم،إلى ارتهان ،إلى داءٍ مزمن،لا نريد الشفاء منه،لا بل نختزن أسبابه،ونحرص على إبقائها حية،كفيلم أثير نعاود مشاهدته بدافع الحنين،والإثرة،والالتصاق بالذات،حتى أننا لن نغامر بالتجديف بعيداً عن شاطئه مغبة الفقدان!

هو ذلك الشعور الذي نصاب بالرعب،خشية فقدانه،ونحرسه من الضياع بكل وسائل الحفظ والإدامة،وهكذا نبدع لغتنا الخاصة،بالحكاية والأغنية والشعر،الذي يعمل كمستنبت،نتعهده بالسقاية والرعاية!

لا بل إنه أكثر من ذلك،إنه الأنفاس والروح،وأسباب الحياة التي نعيرها كثيراً من الخصوصية،فنحفظ متعلقاتها،في أكثر الأماكن عزلة وإيثاراً وربما قداسة،قداسة نعيرها إياها نحن باجتهادنا المثابر.

لكل منا حكايته ،ولكنها حكاياتٌ تتشابه إلى حدّ كبير،ورغم ذلك تختلف في كل التفاصيل،بحيث لا يمكن إحلال حكاية مكان أخرى،لأنها ستموت فوراً بمجرد انتزاعها من مهدها،ولذا فنحن نقرأ كل قصيدة،ونختلج لكل أغنية،ولكن كل في معتزله وصومعته ومحرابه.

إنها العبادة التي تتقاسم الطقوس،ولكنها تحتفظ بتلك الخصوصية المقدسة،بين العابد والمعبود.

الأدوار هنا لا يمكن تبادلها،ولا إحلالها.

إنها المشاعر المقدسة التي تبدو نوعاً من البلاهة للكافر وغير المعتقد،ولذا نهرّبها بعيداً عن الأعين،ونسعى للإنفراد بالمحبوب،ونتحايل على المكان والزمان،في محاولة مخلصة للعبور إلى الخلود،خلود اللحظة،الذي ربما يتبدّد بعد لحظة،وتتكسر أمواجه على صخور الواقع،ولكنه يبقى خالداً هناك،في الذاكرة الإنسانية،التي تفرّ بهلعٍ من التهديدات العابرة،إلى أي ركن تشعر فيه بالأمان.

إنه التفاني في الآخر الذي قد يصل حدّ الجنون!

فهل تشيخ الذاكرة أو يعدو عليها الوهن،هل يصيب العثُّ ذلك النسيج الفريد،حتى لو عقّمناه وحصّناه؟

هل ينتهي الحب دائماً بالخسارة والفقدان،وهل نقع في الحب لنتسلى بدراما المصير الإنساني؟هل نبدع مأساتنا بأنفسنا متحايلين على روتين العيش ورتابته القاتلة؟

وهل هكذا نبدع الشعر والأدب والمسرح والأغنية،التي لا تجد موضوعاً آثر وأدفأ من قصص الحب وحكاياته؟

في الحقيقة لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال لأنني عاشق،وقد تكون الإجابة قاتلة!

ولذا أواصل هروبي من الإجابات لأسُدّ الطريق على النهايات المتربصة،وأواصل دور العاشق،لأنني لا أحيا إلا به،لتكون الشهادة مفاجأة جميلة وحدثاً خالداً،مجللاً بالدهشة،ومعوّذاً بكل أسباب العظمة،ليكون حكاية يتناقلها الرواة بتهيُّبٍ وإكبار!وحفاوة لم يبخسها التكرار أو ينقص الإعتياد من جدّتها،ولو شيئاً قليلا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here