نزار حسين راشد: “عنصرية بيضاء أم تطرّف ديني”

نزار حسين راشد

كتب روجيه غارودي في كتابه أصوليات معاصرة:أن الوضعية التي أصّل لها أوغست كونت هي ألأب الروحي للثقافة الغربية المعاصرة،وأنّ هذه الوضعية العمياء وليس التدين المسيحي هي التي تؤجج العداء ضدّ المسلمين،من باب احتقار التديّن والأنماط السلوكيّة الناجمة عنه،غارودي بصفته فرنسيّاً طبعاً،يعرف جيّداً أنّ الحملة الفرنسيّة على مصر بقيادة نابليون بونابرت في عام ١٧٩٨،والتي جاءت  عقب الثورة الفرنسيّة بعشر سنوات  والتي وقعت في سنة ١٧٨٩،لم تتزيّ أبداً بزيّ ديني،ومع ذلك فقد مارست أبشع أنواع الحقد والدمويّة ضدّ شعب مصر في ذلك التاريخ،وقدصاحب هذا الإضطهاد البشع كل الحملات الإستعمارية الفرنسيّة وأنظمة الحكم التي نصّبتها في المستعمرات دون استثناء،ولعلّ الجزائر نموذج مثالي،على تلك البشاعة!

لم تنحرف النماذج الإستعماريّة الغربيّة الأخرى عن المثال الفرنسي،بل إن بريطانيا رعت أكثر النماذج العنصريّة بشاعة في التاريخ المعاصر: بريتوريا أو جنوب إفرقيا!

ولم يكن اللون أو الدين إلا المتاريس والذرائع التي تختبيء وراءها الثقافة الإستعمارية الحديثة،التي ولدتها الحضارة الغربية:نماذج عرقيّة صارخة،حملها المستعمرون الأوروبيون إلى العالم الجديد،ورزح في نيرها الأمريكيون الأفارقة عقوداً طويلة في نموذجٍ لا إنساني صارخ في بشاعته!

هذه الرؤية تقف عل  الطرف النقيض لنظريّة هنتنغتون في صراع الحضارات،لأنه لو كان الأمركذلك لسعت الحضارة الغربية إلى تصدير مُثُلها في الديمقراطية  وقيمها الليبرالية إلى المستعمرات،ولكنّها وعلى النقيض قامت بتجريف كل ما يمت لهذه القيم بصلة،وأقامت أكثر الأنظمة قمعية وحافظت على استمراريتها لضمان مصالحها المتمثلة في النهب والسلب وتعبيد الشعوب لأساليبها الإنتاجية وشركاتها الجشعة العابرة للقارات!

وحين أعلن تنظيم القاعدة الجهاد العالمي،ونقل المواجهة مع الإستعمار من الإطار الوطني إلى الساحة العالمية المفتوحة، لم يكن ذلك تطبيقأً للنص القرآني وتعاليم الإسلام،وإنما استنساخاً للاسلوب الغربي الإستعماري نفسه،فهو الذي وضع له الإطار النظري،حين جنّد المسلمين من كلّ أنحاء الأرض ونقلهم إلى أفغانستان لمواجهة الكفر الشيوعي السوفياتي،كان يشير له في ذلك الإتجاه دون التحسّب من أن القاعدة التي سنّها ستطبّق عليه،وأن الحراب التي استنفرها ستوجه ضده ويصبح هو الكافر المستهدف بتطبيق نفس المعيار،ولذا فإن تأويله المحرّف لنصوص الإسلام،لغاية توظيفه لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية،هو الذي أفرخ تنظيم القاعدة والجهاد العالمي،وليس الإسلام السياسي بحد ذاته،لأن هذا الإسلام ظل يعمل ضمن أطره الوطنية والقومية،بعد خروجه من تحت العباءة العثمانية،إلى أن دفعه الأمريكان ووراءهم الغرب طبعاً في المسار الجديد،الذي حفروه بعناية لتحويل مجرى النهر نحو المصب الذي حددوه هم بأيديهم!

ومع ذلك فقد أعادوا قذف الكرة للحضن الإسلامي،ووجّهوا التهمة إلى نصوصه،في محاولة تزويرية مكشوفة للي عنق التاريخ،وذلك حين احترقت أصابعهم بحطب الوقود الذي زجّوا بها في مدافئهم!

كلنا نعرف أن كلوكس كلان في أمريكا،والجبهة الوطنية بقيادة ماري لوبين في فرنسا وأحزاب اليمين الصاعد في أوروبا،ماهي إلا نتاج غربي بامتياز للطواحين الفكرية العملاقة،التي نظّرت لحركتهم الإستعمارية وقد سقط مارتن لوثر كنج ومالكوم اكس وباتريس لوممبا ضحايا لهذا العنف العرقي المتسربل بالبياض!

ولم يتخلّ الغرب عن خطّته فأوجد امتدادات لتنظيم القاعدة ممثلة بالدولة الإسلامية “داعش “ودفع بالمسلمين المهاجرين إلى صفوفها،وها هو قد وقع في إشكالية استعادتهم مرة أخرى،مما يجعل الأمر مكشوفاً تماماً فكيف يمكن لهؤلاء المسلمين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية،أن يجدوا أنفسهم  فجأة في معسكرات داعش دون تعبئة وتنظيم وتسهيلات لوجستية من دولهم الأُم!

وحين نعرف أن أستراليا هي الإمتداد الموازي لأمريكا في اضطهاد السكان الأصليين ،وأنها امتداد للعنصرية الإستعمارية الإنجليزية،التي منهجت سياساتها على عدم رفع سوية السكان الأصليين وعدم النهوض بهم،نعرف لماذا جاء القاتل الذي ارتكب مجزرة مسجد النور من أستراليا،وليس من نيوزيلندا،لأن نيوزيلندا وخلافاً لأستراليا قد بنت نموذجا من التداخل والتزاوج العرقي،يزري بالنموذج الأسترالي،ولذا فإن القاتل لم يستهدف فقط الضحايا المسلمين فقط،وإنما استهدف نموذج التعايش النيوزيلندي أيضاً،ومن هنا غضب رئيسة الوزراء النيوزيلندية والتي فهمت الرسالة جيداً،والتي تريد أن تثبت أن نموذجها أجدر بالحياة وأقدر عليها من النموذج العنصري المتغلغل في السياسة الأسترالية حتى رأينا عضوا في البرلمان الأسترالي يؤيد القاتل ويشد على يده بلا أي وازع من خلق أو مسحة من إنسانية،ولا حتى محاولة للنفاق! لماذا؟لأن النموذج العنصري الأبيض يتسّم بالوقاحة والخلو تماماً من البعدين الأخلاقي والإنساني وبالتالي الديني،ولكننا ندرك أن هذا النموذج مهزوم لا محالة،وأن جرائمه لن تخيف أحداً لأنها تبقى جرائم،ومجرّمة،ندرك ذلك حين نرى صبيّاً أبيض قد فغش بيضة فاسدة على رأس هذا النائب وهو يلقي كلمته الخبيثة التي تقطر سُمّاً عُنصُريّاً!

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الاسلام التكفيري بأشكاله المتعدده ، والتطرف المسيحي واليهودي والهندوسي وغيرها ، اوجه مختلفه لعمله واحده !!.
    ابحثوا عن المستفيد من تصرفاتها ، تعرفون من اوجدها !.
    هناك من يحاول زج الثوره الاسلاميه الايرانيه في هذا الاطار ، إلا ان المحاولات الامريكيه والصهيوسعوديه فشلت ، واثبت قادة الثوره الاسلاميه للعالم مدى حرصهم على تقديم الصوره المشرقه عن الاسلام !.
    كذلك اثبتوا انهم يقودون بلادهم وشعوبهم نحوا التطور والتقدم بعيدا عن تبعية الغرب المستكبر !!!.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here