نزار حسين راشد: عندما يكتب الكاتب بغير لغته

نزار حسين راشد

لا تثريب، فقد كتب جبران بالإنجليزية، ومالك بن نبي بالفرنسية، وأبدع كتّابٌ هنودّ بلغة المستعمر الإنجليزيٌ!

فماذا حين يكتب الفلسطيني بالعبرية، ويتقدّم بنصّه لوزارة الثقافة الإسرائيليّة، منتظراً كتاب الترشيح؟

عندما يضع نصّه بين يدي ذلك الفلتر الغاشم، المتحيّز والعنصري، الذي يسرق الأثواب المُطرّزة، والأكلات الشعبيّة حتّى الفلافل!

والذي يدمرّ وجودك بالجرّافات، من أوّل شجرة زيتون، حتّى آخر خيمة بدوي، حين تفعل ذلك، وتتقدم بنصك العبري ، وإن ألبسته كل لباس، أو حشوته بأي مضمون، فأنت تشدّ على يده الآثمة، وتهديه صفحاً مجانيّاً، مُداناً وغير جميل، وتصبح شريكه في جريمة الإختطاف والسرقة!

هل سمعت بأمّ فلسطينية تستعير لابنتها ثوب عرسٍ يهودي، أو صيغة ذهبيّة، من مُجنّدة، أنهت خدمتها في الجيش للتو، وغسلت يديها من الدم الفلسطيني؟

فحين تزعم كاتبة من الداخل أنها تمارس واجباً وطنيّاً، حين تشارك في التحكيم على هذه النصوص، وأنها إنمّا تريد إيصال هذا الصوت الفلسطيني، بغير لغته! فهي تكذب بلا شك وتقفز فوق الحقائق اليومية وتفاصيل المواجهة الدمويّة بين المجرم والمقاوم، ولا أقول الضحيّة، واللغة هي أشدّ أسلحة المواجهة حدّة وقطعاً،  لماذا؟ لأنها الهويّة، والهويّة وجود،  وجودٌ صامدٌ بلغته وأدوات تعبيره، وعلى رأسها خصوصية هذا التعبير ، شخصيّته وملامحه، فماذا يعني بعد ذلك تقديم نصٍٍّ بالعبرية؟احتماً لا يعني إلا القفز فوق هذا الوجود الصامد، وسعياً للتماهي والذوبان، سكبٌ لعسلنا في جرار العدو!

فماذا لو كتب محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي بالعبرية،  هل كانت كتاباتهم لتوقظ الوعي، او تثير كلّ ذلك الإعتزاز والحميّة؟وهل كانت لتأسرنا بكُلّ تلك الجماليّة؟وهل كانت ذواتنا ستتنفّس من خلالها بكل تلك الحرّية؟أم كانت لتختنق بحصار اللغة العبريّة، التي تحاصر ذواتنا، حقولنا، دورنا ومساجدنا، ووجودنا كُلّه؟

إذا كنت أيتها الكاتبة تبحثين عن موقعٍ أو وظيفة  على حساب الموقف، بين صفوف العدو فارتدي خوذته العسكرية، أو كابيته الدينية، إضافة لأبجديته اللغوية، وكفي عن الإنتساب إلى ثقافتنا وديننا، والتي ربما أنكرتِها بينك وبين نفسك منذ زمنٍ بعيد، والآن فقط أعلنت أنّك ستتنفسين برئتهم اللغويّة التي تقطر بسواد الحقد!

غالب المجادلة الذي كان وزيراً عن حزب العمل في الحكومة الإسرائيلية، ورفض الوقوف ل”هتكفيا”،  النشيد الوطني الإسرائيلي قائلاً: هذا نشيدٌ يخصّكم ، إنه يضعني امام خيارٍ بين لغتكم ودينكم، وبين لغتي وديني، وهو خيارٌ ليس صعباً، فأنا سأنحاز للغتي وديني!

ويقول محمود درويش: ولدت من لغتي، في تعبيرٍ صارخٍ جهور عن سرّ الهويّة!

حين احتلّ بسمارك الإلزاس واللورين، ودّع معلمٌ طلابه في الحصة الأخيرةبقولهّ: لا تسمح للمعلّم المحتل الذي سيأتي بعدي أن يعلّمك لغةً غير لغتك!

تمسّك بلغتك،  إنها أنت، وقد خلّد أحد كتّابهم هذا الموقف بقصّة قصيرة بنفس العنوان الموحي” الحِصّة الأخيرة” !

ففي غمار هذا التحدّي العارم، وهذه المواجهة الدامية، فاللغة هي السد المنيع الذي يعصمنا من الطوفان، فلو اختار كاتب ما القفز من السفينة التي يجري بها الموج كالجبال، فسيكون مصيره كمصير ابن نوح العاصي: الغرق: المصير المحتوم، ولن يلحق به أحد، وسيتمسك المؤمنون بعوارض هذه السفينة، حتى ترسو على جودي النجاة، فسلاحنا إيمانٌ لم نفقده، لسانٌ عربي مبين، خزّان الإيمان واللغة، القرآن الكريم!

عدونا بالطبع أدرك ذلك تماماً،  فأحيا لغته من مرقدها حين حطّ رحاله غازياً، ليخلق قاسماً مشتركاً بين تلك الشراذم من كل جنس ولون، ولم ينجح إلا نجاحاً نسبيّاً، فحتى نتنياهو نفسه يتباهى بإتقانه للغة الإنجليزية ولا يترك فرصة سانحة إلا وينتهزها، لاستعراض موهبته هذه، ويتلقى الثناء والمديح  والتربيت ، من ولي نعمته الأمريكي!

اللغة يا سادة هي الخطّ الفاصل بين الولاء والخيانة، أما من تُبرز مخالبها، أو تكشف أنيابها دفاعاً عن موقف مخاتل، فلن تخيف أحداً، ولن تأكل كالنار إلا نفسها!ولن تتلف إلا شهادة ميلادها!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here