نزار حسين راشد: عندما يقف الروائي على مفترق الطرق

نزار حسين راشد

يتناول النص الروائي،الحدث الواحد أو الظاهرة الواحدة،بصورٍ تتعدّد حسب تعدُّد السياقات،بإطالة حيناً وإيجازٍ حيناً آخر،وبصيغٍ تعبيرية،تختلف باختلاف زاوية الرؤيا،التي يراد للقاريء أن يراه منها، وذلك رغم أن الموقف واحد!

فبرغم وحدة الحدث،ووحدة زمانه ومكانه،إلا أن الترجمة الذهنيّة،أو الموقف النفسي للمشاهد،وانفعاله بالحدث أو تفاعله معه،يتفاوت،بتفاوت الحالة النفسية،أو الرؤيا الفكرية،التي يستثيرها الحدث:

فمثلاً يمكن أن ترى الحدث انطلاقأً من موقفٍ عقائدي،أو مفاضلة منطقية أو عقليّة،ويمكن أن تراه من زاويةٍ عاطفيّة،تنتصر أو تنحاز لطرفٍ دون آخر،وقد تراه من منطلق مفاضلة أخلاقية،ترجّح كفة العدل والإنصاف،على الظلم والطغيان،فتنتصر للمظلوم،وتتنكّر للظلم والظالم،كل ذلك في سياق إنساني،يستثير نوازع الفطرة الإنسانية ،موقظاً فيها الحالة الشعورية،التي يريدها أن تطفو على سطح الوعي.

وأظن أن قصة مدينتين لتشارلز ديكنز،حالة نموذجية لهذا الإستدلال،فهو يجعلك تتعاطف مع شخص السجين،ورؤية الأحداث من خلال انفعاله بها،ويرسمها من خلال شبكة علاقاته،علاقته بابنته على وجه الخصوص،ولكنه لا يقف بك هناك،بل يلقي بك فجأة،في أتون الحدث العام،لتلفحك حرارته،ويقود انفعالاتك نحو الشخصيات الجديدة،الممسكة بزمام الأحداث،مثل شخصية المرأة،التي تطرز المناديل القرمزية،برسائل للثوار،فمن ركن الحدث الصغير،يقودك ديكنز إلى قلب المعمعة،من خلال هذه المنشورات،سلاح الثوار الأبدي الأبدي الذي لم تغيره الأيام،فرسائل الفيس بووك وتويتر،يمكن أن تتلون بالقرمزي أيضاً!ألم توظفها ثورة ٢٥ يناير المصرية؟وفي امرأة الرسالة تقودك رجاء بكرية،عبر شخصية امرأة غارقة في العشق،إلى قلب الحدث العام،والهم الوطني،فتمتزج حرارة الأنفاس،الشخصي والوطني،وتتحول رئة المرأة العاشقة وقلبها الخافق بالعشق،إلى رئة يتنفس من خلالها الوطن،ويلفح بحرارة أنفاسه صدر القاريء،ليتفاعل مع الحدث الروائي،من خلال الإنفعالات،التي نفثها في صدره جو الرواية!

وهنا تستيقظ كل السيكولوجيات الدفاعية،وكوامن الرفض والقبول،الساكنة في أعماق  المتلقي دافعةً بمعايير المحاكمة الدفينة إلى سطح الوعي،وموقظة إياها من سُبات  الاعتياد والروتينيةا

لتقودك إلى موقفّ واعٍ يتبنى عدالة القضية المطروحة من خلال الإشتباك مع النص الروائي!!

أليست تلك رسالة الفن؟أن يسقط شُهُباً في عتمة الوعي الغائب أو المغيب،ويدفعه إلى الإنحياز لما  تطرحه الرؤية الروائية،التي يختبيء وراءها موقف الكاتب؟

أليس ذلك ما فعله هيمنغواي في وداعا للسلاح،أو فالكنر  في الصخب والعنف،أو أندريه مالرو في الأمل،أو تولستوي في حرب وسلام؟إنه الإدراك اللحظي الذي يشرق على الوعي الإنساني من خلال النص أو ما يسميه النقاد لحظة الذروة،والتي تتلو العقدة الروائية مباشرة؟

أليس ذلك ما أكدته الرواية القرآنية في عرض موقف السحرة،من بعد ما تبين لهم زيف الفرعون:

فألقي  السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون” سورة الشعراء

في تصويرٍ للتسليم الكامل المترتب على الإدراك اللحظي،أو لحظة الإضاءة التي أنارت الوعي!

وفي سورة طه”فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى!

ألا تكمن قيمة الرواية في انحيازها للموقف الإنساني والقيم الإنسانية؟ولكن من خلال عرض لغوي مبدع،وحبكة فنية محكمة!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here