نزار حسين راشد: “على هامش قصيدةمديح الظل العالي:محمود درويش”

نزار حسين راشد

لا هامش يتسع للتعليق على هذه القصيدة ، إنها لحظة الوداع الكبير، والعودة المُكرهة لبراري التيه، البرية التي أتعبت خطى الفلسطيني، لحظة الإنفجار الكبير، في وجه هذا المصير، بعد أن اطمأنّ أنه خرج منه، فأسند رأسه إلى كتف أخيه، وألقى عصاه في أرضه، قبل أن تطوع نفس أخيه له قتله:

واستطاعَ القلبُ أن يرمي لنافذةٍ تحيَّتهُ الأخيرةَ,

واستطاع القلبُ أن يعوي, وأن يَعدَ البراري

بالبكاء الحُرِّ…

بَحْرٌ جاهزٌ من أجلنا

دَعْ جسمك الدامي يُصَفِّق للخريفِ المُرِّ أجراساً.

ستتَّسعُ الصحاري

عمَّا قليلٍ , حين ينقضُّ الفضاء على خطاكَ,

إنها الخيانة التي ينفجر الشاعر في وجهها عتباً وغضباً وإحباطاً،الخيانة المؤلمة،التي لا تتسع لها  أي قصيدة،فتطول وتطول لعلها تستغرق كل هذا الحزن وكل هذا الغضب،أو لتصبح معلقة يعلقها محمود على جدار ببروت قبيل الرحيل:

نَمْ , يا حبيبي ’ ساعةً

حتى يعود الرومُ, حتى نطردَ الحرَّاسَ عن أَسوار قلعتنا,

وتنكسر الصواري.

نَمْ ساعةً.نم يا حبيبي

كي نصفِّق لاغتصاب نسائنا في شارع الشَّرف التِّجاري

نَمْ يا حبيبي ساعةً, حتى نموتْ

هيَ ساعةٌ لوضوحنا

هيَ ساعةٌ لغموضِ ميلادِ النهارِ

أتموتُ في بيروت-لا تُولِمْ لبيروتَ الرغيفَ- عليكَ أَن تجد

انتظاري

في أَناشيدِ التلاميذِ الصغارِ’ وفي فراري

من حديقتنا الصغيرة

على امتداد القصيدة يتكرر ذكر البحر،الوجهة الأخيرة،حيث ضاقت الأماكن ولا ملجأ إلا سعة البحر،الموازي الموضوعي للاغتراب والتيه،والمُتّسع الوحيد لهذا الحزن الذي لا يحدّه شيء،ولا القصيدة ذاتها،التي لا تجد حتى في سطورها ملاذاً كافيأً،فتفيض عن أسوارها، ملقيةً بجسدها في عرض البحر،معانقة تلك اللانهائية،المفتوحة على الإتجاهات،مغفلة الملامح والهوية،عودة إلى التكوين الاول،البدايات العذراء:

بحرٌ لأيلولَ الجديدِ. خريفُنا يدنو من الأبوابِ…

بحرٌ للنشيدِ المرِّ. هيَّأنا لبيروتَ القصيدةَ كُلَّها.

بحرٌ لمنتصفِ النهارِ

بحرٌ لراياتِ الحمامِ, لظلِّنا ’ لسلاحنا الفرديِّ

بحرٌ’ للزمانِ المستعار

مرارة لا تخلو من الإتهام المباشر للقرار السياسي:

كسروكَ , كم كسروكَ كي يقفوا على ساقيك عرشا

وتقاسموك وأنكروك وخبَّأوك وأنشأوا ليديكَ جيشا

حطُّوك في حجرٍ… وقالوا: لا تُسَلِّمْ

ورموك في بئرٍ.. وقالوا : لا تُسَلِّمْ

وأَطَلْتَ حربَكَ ’ يا ابن أُمِّي,

ألف عامٍ ألف عامٍ في النهارِ

فأنكروكَ لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرارِ

هم يسروقون الآن جلدكْ

فاحذرْ ملامحهم…وغمدَكْ

كم كنتَ وحدكَ ’ يا ابن أُمِّي,

يا ابن أكثرَ مِنْ أَبٍ,

اتهام واضح وصريح”لا يعرفون سوى الخطابة والفرار”

وحيث يطفو هذا الاتهام في مواضع أخرى من القصيدة:

واخرجْ لكي نمشي لمائدة التفاوض , واضحينْ’

كما الحقيقةُ :

قاتلاً يُدلي بسكَّينٍ.

وقتلى

يدلون بالأسماء:

صبرا,

كفر قاسم ’

دير ياسين ,

شاتيلا !

وهو يجهر برفضه لهذا القرار بملء الصوت:

بيروت-لا

ظهري امام البحرِ أسوارٌ و.. لا

قد أَخسرُ الدنيا .. نَغَمْ !

قد أَخسرُ الكلماتِ….

لكني أَقول الآن : لا

هي آخر الطلقاتِ – لا.

هي ما تبقَّى من هواء الأرضِ – لا

هي ما تبقَّى من نشيجِ الروحِ – لا

بيروت – لا

لأنه لا يرى في القرار إلا نقضً للبناء وهدماً للإنجاز وخيانة  للعهد،من قبل القيادة التي بنت صروحاً من عرق الفدائي ودمه،ثُمّ فرّطت فيه أخيراً،وبلا مبرّر واضح:

هذه آياتنا، فاقرأُ

باسم الفدائيَّ الذي خَلَقَا

مِن جُرْحِهِ شَفَقا

باسم الفدائيَّ الذي يَرحَلْ

من وقتِكم.. لندائِهِ الأوِّلْ

الأوَّلِ الأوَّلْ

سَنُدمِّرُ الهيكلْ

باسم الفدائيِّ الذي يبدأْ

إقرأْ

بيروتُ- صُورتُنا

بيروتُ-سورتُنا

بيروت-لا

فهو لا يرى في قرار الخروج إلا هدماً للهيكل، وهجرة،تستحضر ذكرى الهجرات المريرة،التي ظن الشاعر أننا عبرنا زمنها إلى زمن الثورة الجديد،ولكنها تتكرر على أيدي قيادات الثوار هذه المرة،لا الأعداء ولا الإخوة المتخاذلين:

هي هجرةٌ أخرى , فلا تذهبْ تماما

في ماتفتَّحَ من ربيعِ الأرضِ , في ما فجَّر الطيرانُ فينا

من ينابيعٍ . ولا تذهبْ تماما

في شظايانا لتبحث عن نبيٍّ فيكَ ناما.

هي هجرةٌ أُخرى إلى ما لستُ أَعرفُ…

أَلفُ سَهْمٍ يكسرنا

وهنا منشأ الإستعظام والاستنكار ووقع الصدمة المهول على وعي الشاعر،لحظة خاطفة لم تترك لوعيه فرصةً،إلا لرد الفعل الحاد،الذي تفجر في وعيه،تحت وطأة الحدث الذي لم يمهله،بل تركه على أرض عارية،تحت القصف،بلا وقتٍ لا للمراجعة ولا للتأمٍُل!

لقد سجل محمود موقفه،ولكنه لم يفقد الأمل بل أبقاه حيّاً:

ماذا تبقَّى منكَ غيرُ قصيدةِ الروحِ المحلِّقِ في الدخان قيامةً

وقيامةً بعد القيامةِ؟ خُذْ نُثاري

وانتصرْ في ما يُمَزِّق قلبكَ العاري ,

ويجعلكَ انتشاراً للبذارِ

قوساً يَلُمُّ الأرضَ من أطرافها..

جَرَساً لما ينساهُ سُكَّانُ القيامةِ من معانيكَ.

انتصرْ,

إنَّ الصليب مجالُك الحيويُّ’ مسراكَ الوحيدُ من الحصارِ إلى الحصارِ

إنه موقف سجله محمود،إنه جداريته الحقيقية،التي   لن تثلمها المواقف اللاحقة التي سرقتهاالسياسةوالمعركة المثبطة مع المرض !

إشراقة أضاءت في أشد اللحظات حلكة في التاريخ الفلسطيني،وستبقى تومض حيث تركها محمود على أسوار بيروت!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here