نزار حسين راشد: عتاب على الأبواب: إلى روح محمود درويش

نزار حسين راشد

لا أدري كم مضى على رحيلك، فأنا لا أحصي السنين عددا،لقد كنت من محبيك، ولم أكن من مؤيديك، ليس خلافاً على موقف سياسي، فالشاعر يترجم موقفه إلى عاطفة، أو يطلقها عصافير كلمات،أو صقور حروفٍ وعبارات، تنقضُّ رُبّما على حمائم السلام، الذي لم تغادر أنت برجها حقّاً، فأبقيت يدك ممدودة للسلام الموهوم، بينما ضمّها آخرون على مقابض السيوف! ولا ريب أنك ستسألني من هؤلاء؟.

قطعاً ليس من بين صفوف الشعراء، ولكنهم هؤلاء الذين قلت فيهم: تزعجني أيديولوجيتهم أكثر من موقفهم السياسي!

وفي حين كان الحريدون والحاخامات والأحبار،في إسرائيل يأكلون من طبقّ واحد مع السياسيين، كان الجالسون عندنا وراء عجلة القيادة يقودونها لشق الصف إلى صفين وكسر الطبق إلى نصفين،الخطيئة التي لا نزال نعيش عواقبها الوخيمة،حتى لحظتنا الراهنة، الفصام المزمن بين العقيدة والسياسة، وفيما وحّد اليهود رايتهم، وأرسلوا العلمانيين إلى مجاهل الغياب،ظلّت رايتنا مشقوقة، وكل طرف منا ممسك بشقه!

حتى أنت سئمت يا محمود، وصحت في وجوههم أن يخرجوا، وحينها كتبت لك:

بالسيف لا بالحرف يامحمود، محاولاً أن أنابزك بالشعر!

وحين خطفك الموت من عند رأس النبع قرأت وصيتك، وحزنت بدل أن أغضب، فكيف سأغضب منك،ونحن نتشارك حبيبة واحدة، وننام معها كل ليلة على سرير الشوق!

ولأنني أعرف أنك لم تتنكر،ولكنك يئست واليأس قاتل، ولكني وجدت لك العذر العادل، فلم يسقط اسم فلسطين من عناوين قصائدك، ولا من ذاكرتك،وظل حبلك ممدودا، يمسك به كل محبيها!

حتى تلك الجدارية اليائسة، حملت حروف اسمها،فأرسلتك إلى عكا، التي أبيت أن تراها حرةً حتى في الرؤيا!

لقد ظُلمت مرّتين يا محمود، مرّة من عدوك، الذي لم يعترف بشهادة ميلادك، ولم يفرد لك متسعاً إلا في الزنزانة، وأرسلك أخيرا إلى المنفى ، ومرة من صديقك، الذي لم يقرأ رسائلك جيداً، وضيق عليك حتى هوامش الإحتجاج، حتى حين احتججت على أوسلو  وأبيت ان تحج لها، ولم تر فيها خشبة تنقذ الغريق!

أخيرا أقول لك:

ها قد مضى

على غيابك الطويل

عامٌ بعد عام

تركتني وحيدا

محاولاً أن أنطق الكلام

  أن أستأنس القصيدة

أوردها لرأس النّبع

 من حيثُ

تشربُ الحبيبة

لكنّه أعجزني المَقامْ

فليس في الزمان فُسحةُ

كما في سالف الأيامْ

وكُل ما في الأرض يستنهضنا

أن نحمي الذمام

بالسيف

لا بالحرف

فنحن دون غيرنا

أصحاب هذي الأرض

 ولم يعد للغرباء

بيننا مكان

فلنسُء وجوههم إذن

حتى لا يؤلمنا

عتب المغني

أوقوله: يا حيف!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here