نزار حسين راشد: “ساق البامبو لسعود السنعوسي: رواية لم تقنعني وأبداً”

نزار حسين راشد

لعل أهم ميزات الرواية الناجحة ، هي الحبكة المقنعة، فإذا بدا الحدث مصطنعاً أو مبتوت الصلة بالواقع المعاش، تخسر الرواية أرضيتها الأولى التي سيقف عليها القاريء قبل أن يقفز إلى لجتها ويسلم روحه لتيارها الجارف، هذا بمعزلٍ بالطبع عن روايات الفاتتازيا والعجائبية، لأنه في هذا النوع من الروايات  يتداخل الواقع بالخيال وتتلاشى الحدود بينهما، وهي تقنية موظفة أصلاً لجعل الحدث مبرراً، ومنح النص مساحة أكبر من الحرية.

في ساق البامبو يبني السنعوسي منطلقه الروائي على واقعة سقوط أحد أبناء أسرة ميسورة وذات اسم ومكانة اجتماعية، في حب الخادمة المنزلية الفيلبينية، التي تحمل فيما بعد بطفل هو بطل الرواية الذي تدور حوله الأحداث، ثم ترحل إلى بلدها هاربة من حصار الأسرة ومطاردتها ، ويستشهد الأب الذي انضم لصفوف الكويتيين المقاومين للاحتلال العراقي، وهكذا ينقطع  مسار الأحداث، ليستأنف من خلال رحلة العودة الأوديسية، لهذا الابن الكاثوليكي الذي يحمل الملامح الفليبينية، ليزرع نفسه وينبت من جديد في تربة وطن أبيه متحدياً كل العقبات والحواجز الاجتماعية، فهو كساق البامبو النبتة الوحيدة التي لا تموت لو نقلت من أرض إلى أرض، بل تدب فيها الحياة من جديد.

وفي هذا السياق يبدو الحدث غير محتمل في مجتمع الكويت الخليجي الذي يحرم حتى زواج العربي المسلم من كويتية بحكم القانون والتقاليد، ولكن الكاتب يقفز فوق تفاصيل الواقع الكويتي الخليجي الذي لم ير في العراق إلا احتلالاً غاشماً، وفي الأمريكان نصيراً منقذاً ، وهكذا فإن ثيمة الرواية تبشر بأخوية هجينة تجعل القريب عدواً والغريب صديقاً وبالمناسبة فهذا مفهوم رافق نشأة هذه المجتمعات، فالخويا هم الأمريكان والإنجليز، والغرباء هم”الإخوة” العرب المسلمون الذين تطلق عليهم تسمية الأجانب، ومن خلال إدراج حدث الإحتلال والمقاومة بدرامية حادة يكرسها استشهاد البطل”زوج الفلبينية الخادمة”، فإن الرواية تجدد الولاء والانتماء لمفاهيم الميراث الإستعماري، التي تزرع العداوة والبغضاء بين الأخ وأخيه، منتهزة ظروف الاحتلال، التي بلا شك تشكل أرضية خصبة، لإيقاظ هذه المفاهيم من سباتها ومحاولة بعثها من جديد.

ومن خلال هذه المعالجة ينفذ الكاتب إلى عيوب المجتمع الكويتي وتحيزاته وتعصباته، ولكن بمنأى عن إشكاليات علاقته بمحيطه العربي المسلم أو أبناء هذا المحيط العاملين عنده، بل من خلال إنكاره لزواج أحد أبناءه بخادمة فليبينية، وهو إنكار طبيعي وعادي وليس نتيجة تشوه في القيم الإجتماعية التي تتحرك في دائرة أوسع بكثير من هذه الدائرة التي ضيقها الراوي في هروب متعمد من الأسئلة الوطنية الكبرى التي طرحها واقع الإحتلال، وواضح أنه يفعل ذلك ليتجنب التهمة بالخيانة فيهيء لأحداثه مسرحاً آخر بعيداً عن هذه الشبهة ولكن في موازاة غير مقنعة بتاتا، فإنكار الزواج بخادمة البيت فلبينية كانت او حتى مسلمة عربية، ليس خطيئة كبرى تقتضي كل هذا التعاطف، بخلاف واقع الإحتلال بتداعياته الذي طرح السؤال الكبير عن العلاقة بين المجتمعات العربية وكياناتها السياسية!

وبنقلة سينمائية يأخذنا الكاتب فجأة إلى الفلبين، حيث نشأ وترعرع البطل وتم تعميده ككاثوليكي ولم يبق له من كويتيته إلا الاسم والنسب، وهنا يعرج بنا الكاتب في دهاليز ومسالك الحياة الفلبينية، بقدرة الخبير المتمرس ختى أنه يعرج على تفاصيل، لا تغني سياق الرواية بشيء ولا مبرر روائي لها سوى أن البطل أمه فلبينية، وبمعزل تام منبت الصلة بعقدة الرواية وثيمتها، وببراعة تجعلك تتساءل كيف نفذ الكاتب إلى أعماق المجتمع الفلبيني وساح في مساربه سياحة العارف الخبير ببواطن الامور حتى أنه يدرج مراسم التكريس الكاثوليكي الثلاث بتفصيل ربما لا يعرفه الكثير من المسيحيين الآخرين!

لدرجة أن  بعض القراء أو الكثير منهم شكوا بأن الكاتب هو البطل وأن أمه فليبينية فعلاً  وأنه يروي سيرة حياته، وأنه نشأ هناك في مانيلا، حتى يلم بكل هذه التفاصيل التي لا يتيحها إلا التعايش الفعلي! ولكن الكاتب في مقابلة معه قال أنه ذهب للفلبين ليعيش حياتهم عن قرب ويتمثل تفاصيلها!

ولكن ما يهم أنه ضخم هذا الجانب على حساب الثيمة الأم التي اختصرها ليحط بنا فجأة في بؤرة الحياة الفلبينية ومرابعها الفسيحة، ويعيدنا من ثم إلى صحراء الكويت الموبوءة بالتعصب والإنكار كما هو منظور الرواية، حيث يخوض البطل معركته التي تتوج بالنصر في موازاة نصر التحرير، في حين يبقى البطل العربي الحقيقي الذي يعيش واقع التمييز والتحيز، رازحاً تحت أعباء الإنكار  الإجتماعي والسياسي، التي لم تتكلف الرواية عناء نبشها وتظهيرها!

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. لعلي أقرأ أول مرة تصويرا ذكيا لمشكلة البدون. وهي مشكلة تنم عن أبعادعديدة لا تليق بأمة الإسلام!

  2. أستاذي العزيز، البرلمانات العربية برلمانات بأغلبها صورية وفاشلة لا تعبر عن طموح أو آراء الشعوب . و الرجوع لسلوك النواب للتقييم عمل كاتب، فيه ظلم كبير للكاتب.
    وأعتقد أن جاء الوقت اللذي يجب ان نتوقف عن التعميم، وأصدار الأحكام الشمولية على الشعوب العربية. وبدلاً عن ذلك. يجب أن نحكم على كل حاله على حده. وحسب ما شاهدته من لقاءات للكاتب هو أبعد ما يكون عن الاتفاق مع نواب البرلمان بآرائه. وشكراً لك سيدي.

  3. استمع إلى فيديوهات النائبة الكويتية صفاء الهاشم ومن على كرسي البرلمان الكويتي وحدثني عن الإنسانية وقبول الآخر وشكرا لإيضاح وجهة نظرك التي أحترمها بشدة
    الكاتب

  4. أختلف معك بشدة، الرواية كانت جميلة جداً. وفيها بعد أنساني رائع. والدليل نجاحها في معارض الكتاب في معظم الدول العربية، ولَك انت تبحث في ذلك في عالم الانترنت.
    ولا أفهم هذا الإنكار، على بطل الرواية أن يستشهد في سبيل وطنه. لمجرد كونه كويتي وعايش بخير!!!
    أما الهروب من المشكلة الحقيقية وهي غزو وأحتلال الكويت من قبل صدّام، والصاق المشكلة بالاستعمار فذلك أعتبره قمة الإنكار والتغاضي عن المجرم والجريمة وألصاق الذنب بالضحية.
    أما الحديث عن الانسان الفلبيني والاستخفاف بحياته وطقوس دينه المسيحي. فذلك أحد أهم أسباب ظهور داعش بالمنطقة. وببساطة شرعنة عدم تقبل الاخر بوطنه ودينه وعرقه.
    الرواية نجحت برأيي الخاص وتحولت الا عمل درامي ناجح. والبطل واجه صعوبات كثيرة جداً وكان أهم شخصية في الرواية من وجهة نظري.
    وكون الكاتب كويتي لا يمنع انه نجح بأن يجعلنا نفكر ونعيد التفكير بمعنى الانسانية وتقبل الاخر،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here