نزار حسين راشد: دروس مستفادة في الاقتصاد: لماذا تتعثر عندنا السياسات الإقتصادية؟!

نزار حسين راشد

أثناء عملي في مديرية الدراسات -دائرة الجمارك الأردنية، كنت أحاضر عن الاتفاقيات الدولية، وعرجت على موضوع الاستثمارات الخارجية وأهميتها الحيوية للاقتصادات الوطنية، حين تصدى لي أحدهم ليقول بلا تحفّظ:

-أنت مخطيء يا أستاذ!

-ولماذا يا صديقي؟!

-لأن المستثمر الأجنبي لص!

-ولماذا هو لص؟

-لأنه يسرق الأرباح ويحولها إلى الخارج!!!

هذا الشخص وصل إلى أعلى مراكز صنع القرار!والمتعلقة بمجال الإستثمار بالذات!

بحكم طبيعة العمل كنا نحتك بالخبراء الأوروبيين والأمريكان، ونبهني أحد الأوروبيين:

-إياكم أن يستدرجكم الأمريكان للتوقيع على اتفاقيات قانونية!

كانت دهشتي كبيرة وسألته لماذا، فكان رده:

-الأمريكان يلجؤون للصيغ القانونية لتوفّر لهم مهارب للتأويل والتفلّت من الإلتزامات، أو الدخول في محاورات ومداولات لا نهائية حول أي مسألة يريدون أن يوصلوها إلى النهاية المرغوبة من طرفهم!

-وما البديل يا صديقي؟!

-الصيغ الإجرائية هي التي نلجأ إليها نحن الأوروبيون فهي إجراء موصوف غير قابل للتأويل أو التهرب!

ولن أقول لكم إلى أين أوصلتني محاولة رفض بعض العروض الأمريكية لما يسمونه برامج تطوير الإجراءات!

المدهش حقاً أنني أستذكر ذلك في ضوء الأحداث الجارية والمستجدات، فأسلوب ترمب في عقد الصفقات هو نفسه الأسلوب الذي اتبعوه في وكل الأمر إلى مقاولين محليين، يقبلون بشروط الصفقة، بدل الكادر الوظيفي المؤهل والأكثر اطلاعاً بحكم وجوده في الداخل !وإذن فهي تقاليد أمريكية وليست بدعاً ابتدعها الرئيس ترمب!

وفي ظل التشكيلة الوزارية الجديدة  في الأردن ، القادم رئيسها وبعض أعضائها المهمين، من كوادر البنك الدولي، فلن يتغيرشيء في الخطوط العامة للسياسة الإقتصادية، ببساطة لأن المفاهيم لم تتغير!

لم تكن السياسات في الدول العربية التي انتهجت نهجاً اشتراكياً أسعد منا حظاً، فعبد الناصر أمم قطاع الألبسة، حتى أصبح التمثال أو المانيكان على باب عمر افندي بمظهره المهلهل الرث، مسخرة المساخر!

وسليم حاطوم في سوريا أمم أقنان الدجاج وأقفاص الأرانب، فأصبح محل السخرية حتى من الشيوعيين أنصار التأميم، ولكن ليس على الطريقة البعثية!

من الحِكم التي همس لي بها أحد الخبراء الأجانب، قال:لن تنهضوا أبداً إذا لم يقم عندكم نظام تنافسي للوظائف العليا، بدل الإنتقائية والمحسوبية التي تسري في أوصال مجتمعتكم!

ولعل إنديرا غاندي أدركت ذلك حين جعلت احتلال مواقع القرار التنفيذي طبعا وليس السياسي”بحكم كونه ديمقراطيا”، يتم من خلال سلسلة امتحانات تنافسية صارمة، وهذه معضلة أخرى أيضا فصاحب القرار عندنا هو السياسي وليس التنفيذي ولذا نعود دائما إلى نقطة الصفر حين تتبدل الوجوه والأشخاص!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here