نزار حسين راشد: تأمُّلات في زمن الكورونا

نزار حسين راشد

حين تعيش يوماً بيوم،بموجب شبح التهديد الماثل،تغدو مشاعرك أكثر يقظة،وحواسّك أكثر حدّة ورهافة،تعيد تركيب العالم في ذهنك،وتراجع دفاترك القديمة وقناعاتك،تعيد التوقُّف عند المحطات التي توقّفت فيها من قبل،ولكن هذه المرّة بذهنٍ أكثر تفتُّحاً وبصيرة أكثر نفاذاً،لا بل أكثر من ذلك،تُنفذ مسبارك في كومة الأحداث التي تكدّست على امتداد عمرك الذي تراه الآن قصيراً ومهدّداً،وتتساءل عن معنى النهاية وما بعدها،وتتساءل بسريّة خافتة،عن أولئك الذين أحببتهم وستتركهم وراءك،الآن تشعل كُلّ شموعك وتسهر بانتظار القادم المجهول،لحظة بلحظة،كساعة رملية،تساقط ذراتها المحسوبة بدقّة بين وجعٍ وأمل!

ببساطة يستيقظ الحكيم فيك،والحكمة تقتضي الإستسلام لناموس الخلق وسنن الكون،وتتساءل بحيرة عن إمكانية إنقاذ العالم،وفي حين يحاصرك المصير تتواصل الحياة حولك،مشهداً.. مشهداًُ وجرعةً فجرعة!

تطلّ عليك المذيعة المتأنقة بكامل زينتها،ولا تدري إن كانت ستكون الضحيّة التالية،وتكون هذه إطلالتها الأخيرة،وفي ظلّ هذه الفرضيّة ترسم تفاصيلها في ذهنك،تحتفظ به كرصيد في الذاكرة،لتصرفه فيما بعد كقصيدةٍ أو مقال،فلا معنى للقصيدة بلا تفاصيل ولا للمقال،وهكذا يمكن للحياة إن تضمحلّ وتتلاشى ،شيئاً فشيئاً،أو تختفي فجأة كمشهدٍ سينمائي،يضع نهاية الحكاية ويسجلها كصورة في الذاكرة لإعادة العرض حين يتوفّر ترف الإمهال،الذي رُبّما لن يجيء أبداً!

تحاول كتابة قصيدتك الأخيرة لترسلها لمن تحب،قبل أن يحلّ الميعاد،ولكنّك لا تجد الكلمات،فتكتفي بالفكرة،وتتساءل إن كان التخاطر حقيقة،وهل بإمكانك أن تبثّها في هذا الأثير الخفي لتلتقطها استشعاراتها وهي تفكّر فيك،ام تراها منهمكة في مشاغلها،تطهو وتنظف وتعقّم لتمُدّ من حولها بأسباب الحياة،أو تحول بينهم وبين العدوى بنثر الرذاذ في وجه هذا الغازي الغريب،هكذا تلقي النساء تعاويذهن في وجه الخطر،بثقة وقناعة،ويتركن لنا مهمة التأمل والتساؤل والبحث عن مخارج أخرى،او حتى التحصّن بالفكاهة والسخرية في محاولة للتخفيف من ثقل اللحظة،فالمرأة لا تهزل في زمن الجِد،فروحها روح استمرارٍ وإصرار،لهُنّ براعة التماسك في الشدّة،ولنا براعة التفكيك والالتفاف والتحايل والمناورة،فأيّ الطريقتين أنجع؟

السؤال ترف،والطاقات المستنفرة لن تنتظر الإجابات،والمسعف لن يقف فوق رأس المريض ليفكّر فيما سيفعله،بل يمدّ يديه فوراً لينتشله،كما ينتشل المنقذ الغريق.

العالم كلّه يقف على رجلٍ واحدة،ومع ذلك يقف كُلّ ُ إنسان وحيداً متشبّثاً بأقرب النّاس إليه،متلمّساً الإستقواء والعزاء؟علّه يسجّل نصراً أو يتلقى لطمة تنبيء بالهزيمة ولكنه لا يستسلم،بل يستجمع قواه ويقاوم لعلًه يضعضع هذه الهجمة،

ويهمس لنفسه ولمن يحب: سيزول هذا الكرب وتنفرج الازمة،وستنقشع السُّحُب السوداء ويشرق الطقس الجميل، وسيكون هناك وقت لنبتسم ونسترخي،سيكون هناك وقت للسعادة وفسحة للاستذكار،سيكون هناك يومٌ آخر ،على الأقل!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here