نزار حسين راشد: تأبين جورج بوش الأب بين زخرف الخطابة الأمريكية وأمل الفضائية الكويتية الضائع

نزار حسين راشد

على الفضائية الكويتية الثانية،  تابعت مراسم تأبين جورج بوش الأب، الفضائية تبثها بالطبع، من قبيل العرفان بالجميل لمحرر الكويت….أما الكلمات التي ألقاها مشيعون منتقون فأعترف أنها نافست المتنبي في مديحة لسيف الدولة ، فجاءت عاطفية بلا عاطفة حقيقية، بدليل المبالغة التي تضع وراءها العقل وحتى الخيال، فتتحول إلى كاريكاتورية تثير الضحك، حتى من أولئك الجالسين الحزانى على كراسي الوداع الأخير!

فجورج بوش الأب، ليس أباً لجورج بوش الإبن فحسب، وإنما أبٌ لكل الأمريكيين، تماماُ كما كافور أبٌ لكل المصريين،  وهو هازم الأحزاب سنة ١٩٤٤، وكاتب السطر الأخير في هزيمة الإمبراطورية اليابانية،  وهو هادم اللذات، التي استمتع بها إمبراطوريو العهد السوفياتي، وناسف الديكتاتوريات في أوروبا الشرقية، وباني الديمقراطيات، في العصر الأمريكي الجديد، لا بل إنه ناشر المناخات النظيفة التي يستمتع بأنهارها وأشجارها الأمريكيون والكنديون على حد سواء، وهو أيضاً عاقد الإتفاقيات التجارية التي نقضها ترمب من أساسها ولا يهم، فلكل زمان دولة ورجال….

ولخيبة امل الفضائية الكويتية، لم يتطرق أحد من الخطباء لتحرير الكويت، فقطعت الفضائية البث بعد أن انتظرت طويلاً، أن يتطرق أحد من المتحدثين،  لهذا الإنجاز العظيم أو يذكر اسم الكويت على الأقل!

ويبدو أن الخطباء المفوهين تجاهلوا ذلك عن عمد ، حتى لا يلحقوا الخطيئة بالفضيلة، فيتباهوا باستخدام اليورانيوم المنضب، أو قصف ملجأ العامرية، أو إبادة بقايا جيش منسحب، في رحلة صيد دموية!

جورج بوش الذي تسبقه دمعته، على أطفال السرطان، لم يوظف اليورانيوم المشع على أرض العراق لا للشفاء ولا للدواء، بل للدمار والفناء، ولم يذرف دمعة واحدة على أطفال العامرية، فلماذا احتبست دمعته وغاضت حين تعلق الأمر بأطفالنا وأرواحنا وأجسادنا؟

وعلى فرض أن صدام حسين كان ديكتاتورا دموياً، فهل الطريقة المثلى لهدم الديكتاتورية، هي بقتل ضحاياها من أبناء الشعب المقهور ، والجيش المغدور؟

لا جرم إذن أن يجتنب الصداحون هذه الحكاية المخزية، والوصمة التي ستلطخ سيرته الناصعة، ومعذرة يا فضائية الكويت!

وحتى بعد نزوله عن عرش الرئاسة، ترك لنا وصيأً حمل صولجانه بأمانة، فأطاح بديكتاورية صدام ليخلف من بعده خلفٌ عاثوا فساداً وأحرقوا الأخضر بعد اليابس، وأقاموا ديمقراطية أمريكية مسخ، كتب إنجيلها برايمر وجورج بوش الإبن، وأقاموا نصبها الوثني على جثث مليون عراقي، ولا زال معبد الخراب قائماً، وغير قابل للتغني، ولا حتى للتمني، فلا تكلفيهم ما لا يطيقون يا فضائية الكويت، فكيف تريدينهم أن ينبشوا ما دفنوه، فتفوح الرائحة العفنة من صندوق تابوت، حرصوا على رشه بماء الورد، فبين أب ميت وابن حاضر بين المؤبنين،  ضاع الروح القدس! وبينما يضحك الضاحكون على طرفة يلقيها المؤبنون،  يصطادونها من بين إرث الراحل العزيز، يبكي الباكون على أطلال الديكتاتورية التي هدمها بسخاء الدموع!

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here