نزار حسين راشد: بين دانتي وأبي العلاء وجحيم أمجد ناصر

نزار حسين راشد

أمجد ناصر في مقالته: فصل في الجحيم،  يحول الكوميديا الإلهية، إلى كوميديا سوداء، وإنما سُمّيت كوميديا دانتي الإلهية بالكوميديا، لأنها انتهت نهايةً سعيدة، من قاع الجحيم، إلى أعلى الجنان عبر المطهر، أمّا أبو العلاء في رسالة الغفران، فقد فتح للشعراء باب الغفران، استهلالاً بعنوانه الموحي، وأسكن حسان بن ثابت وكعب بن زهير، في جنات النعيم، لاتباعهم هدى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأودع امرؤ القيس في الجحيم، في مقابلةٍ ملهمة، فهو جاهليٌّ وضليل!

أمّا أمجد فقد سجنهم جميعاٍ،  بين جدران جحيمه، بلا أملٍ في النجاة، ذلك أن خطاياهم في نظره غيى قابلةٍ للمسامحة والغفران، لا بل إنه عدّد هذه الخطايا، الغدر والطعن في الظهر، والسكوت عن الحق، وتمجيد الطغيان، أما أطرفها فهو الإنتحال، أي السرقة الأدبية، واختطاف جهود الآخرين، مخالفاً نزعة التسامح تجاه هذه الظاهرة في تاريخنا الأدبي، فتاريخنا حافلٌ بالخصومات، حول هذه الظاهرة، ولكن أحداً من المنتحلين أو المقلدين، لم يتلقّ ذلك الحكم القاسي، بل اعتبره النقاد إغناءً وإثر اءً وفتحاً لباب الجدل والحوار، فلا يثري تاريخ الأدب شيء كالخلاف والمناكفة، بل ربما الفضائح، التي تضيف الملامح وتطعّم الحكاية الأدبية بالطرافة لا بل تشحذ نزعة التحري والمحاكمة، وتطوّر أدواتها النقدية، وتحيي أنفاس التجديد، في أوصال النقد الأدبي، وتتحول إلى فاكهةٍ من الإمتاع والمؤانسة، في بستانه الزاهر!

في الآن الذي نعيشه، والمثقل بالخلاف والاختلاف، اختُصرت المسافة بين الإنسان والموقف، بين الشّعر والشاعر، ولذا لا أجد غضاضة في موقف أمجد، حتى لو كان مصبوغاً او مدفوعاً بالتحامل!

فالخصوم الموزّعون بين موقفوهم أجملوا ذلك بالعبارة الشهيرة: الإنسان موقف!

الإنسان موقف نعم، ولكن التمترس ليس موقفاً، إذا كان الحديث كما أشار إمجد، حول حقٍّ وباطل، لأن الخلاف في النهاية هو حول المعايير والمراجع، فإذا تشبّثت بمعاييرك فسأتشبّثُ بمعاييري، ولا فضل لأحدٍ على أحد، وكلنا في النهاية، في الهواء سواء! فبأي معيارٍ أحاكمك؟

من الطريف أن أمجد وفي انسجامٍ مع دانتي وأبي العلاء، ينقل الخطايا الدينية بأسمائها إلى الفضاء الشعري، دون تكلف مشقة الإستعارة أو الميتافور!

الحقيقة العارية والتي تعشي بضوئها أبصارنا الكليلة، أنه في سياق الحديث عن الخطايا، لا بديل للمنطوق الديني، وهي الحقيقة التي يقرها أمجد بنصه، وينكرها في مواقفه، كيساري عتيد، متمترس بدوره خلف مبادئه القديمة قدم عمره المديد إن شاء الله!

ألم يئنِ لنا كشعراء وأدباء، أن نسترخي قليلاً، ونرسل أبصارنا إلى ما وراء الواقع القاتم، وأن نخترق بإشعاعات بصائرنا غيومه الكثيفة؟ولكننا نكابر كثيراً، هرباً من الإتهام بأننا نتنازل عن مبادئنا، وهذه خطيئة شعراء أمجد الراسفون في جحيمه، أنهم لا يزالون ممسكين بأذيال الطغاة، من قبيل الإخلاص للمباديء،  وللمفارقة فهي خطيئته هو شخصيّاً، والله سبحانه وتعالى يقولّ” كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون”

أي أننا لا نزال رهناء مواقفنا السابقة!

رسالة الشاعر والمفكر والأديب أن يرسم لنا طريق الخلاص، لا أن يخلّدنا بين جدران جحيمه الشخصي!

دانتي وأبو العلاء فتحوا لشعرائهم طريق الله، أما أمجد فقد أغلقها أمام نفسه والآخرين ، وحين يقول أن الإنسان يرفض أن يكون مصيره التراب، ملمحاً بذلك أنه ابتدع الدين كمخرج من هذا المأزق فالله سبحانه وتعالى يقول” منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى! فلماذا تقف حائراً أمام باب الخروج؟

” لكم أنت تنسى عليك السلام”

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. المشكل أن تغير معطيات الواقع بشكل جذري لا يتبعه بالضرورة إعادة النظر في الخطاطات الذهنية والإديولوجية التي تحكم النظر في الواقع، قبل أن يتغير. كان الواقع حتى حدود التسعينات واضح : الحاكم الشرير والمعارضة، والخلاص لا يختلف في شيء عن الحكايات الخرافية (وهي أحد محددات الموقف السياسي عموما !) أي قتل الوحش على يد البطل المغوار أو الحزب وتخليص المدينة من الرعب. في هذه النظرة البريئة تتجسد كل أنواع الشر في شخص واحد وكل أنواع الخير في المعارضة وبينهما الشعب الذي ينظر إليه بوصفه الضحية-الرهينة بيد الشرير ! طالما بقي الوعي محصورا في هذه النظرة سيتم تقسيم الناس إلى شرفاء و خونة، قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار ! هذه البراءة لا تأخذ بعين الإعتبار التغير الجذري الذي طرأ في ما يسمى السياسة المدنية.
    وهذا التغير الجذري هو عدم رغبة الشعب منذ أكثر من عقد في وجود الدولة أصلا، سواء كان على رأسها طاغية أم منتخب ! وهو أمر تغديه قوى عظمى لم يعد من المفيد بالنسبة لها أن تتعامل مع الدولة الوطنية بل مع عصابات يسمحون لها بنهم الثروات مقابل تأمين وجودهم ! وهم أمر نراه يوميا-حسبما يبدو- في كل وسائل الإعلام. وهنا يطرح التساؤل : هل من المسؤولية ، بل هل من الأخلاق !، التعاطف الفوري والإحتضان الأبله، لأية ثورة خارج إطار مفهوم الدولة ؟ هل من المسؤولية توجيه اللعنات لشاعر كبير، ولأنه كبير فهو مسؤول، مثل أدونيس ، يرفض الإنصياع وراء ضجيج يؤدي حتما بالبلاد لمرحلة ما قبل أشكال الدولة ؟ ما الذي يفيد المفكر إذا دخل جنة أمجد ناصر أو إلياس خوري أو مطاع صفدي مقابل أن يدخل شعبه جنة داعش ؟ أية ثورة الآن ، في إطار الشعوب التي تريد تطبيق شرع الله، لن تخرج عن نموذج التحالف مع الشيطان ! وبعبارة أخرى، قبل القيام بالثورة في الشارع، يجب إنجاز الثورة في العقل، وما تم إنجازه لحد الآن هو غسيل العقل ! هاهنا فإن أي “إبداع” يستلهم دانتي أو المعري لن يخرج عن نمط الفرقة الناجية أو اللائحة السوداء، التي قد يلجأ إليها-كحجة دامغة- قاطعو الرؤوس!
    أما التفاصيل فهي من قبيل :

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here