نزار حسين راشد: “بين الرّسالات والحضارات وأزمات العالم المعاصر”

نزار حسين راشد

في محاولاتهم لتفسير عقلاني للدين،أو وضعه في قالب علماني،بمعزل عن التسليم بالغيب،قدّم مفكرون عرب رؤيتهم لهذه المسألة،وبين محمد أرغون وفرح أنطون،و محمد شحرور ونصر أبو زيد وبعض مفكري الشيعة كالمُطهّري،لاحظت أنهم توقفوا عند النص الديني نفسه،واستنبطوا رؤااهم من داخله،ولم يتطرّقوا إلى المعطيات الخارجية،التي أحاطت بظروف الوحي والرسالات،كالحضارات التي سادت زمن نزول الرسالات،والأقوام الذين ظهر من بين ظهرانيهم الأنبياء أو الرسل،ولم يقدموا تفسيراً للتباين في هذا الموضوع،من بني إسرائيل الذين كانوا طائفة مضطهدة في ظل الحضارة الفرعونية،إلى الرسل  الذي ربطتهم بأقوامهم رابطة الدم والنسب،وهم الأغلب حسب الرواية القرآنية،ولم يتطرقوا إلى مصير هؤلاء الأقوام ولماذا قضي عليهم بالفناء والدمار والاندثار.

لا يملك أي باحث إلا أن يتوقف عند المنجزات المادية لهذه الحضارات،القائمة عليها الشواهد إلى يومنا هذا والتي استعظمها الأنثوبولوجيون محقين،فبين أهرامات الفراعنة ومسلاتهم،وما تبقى من صروح ثمود،والتي حار في كيفية إنجازها العلماء،لما يقتضيه ذلك،من امتلاك أدوات للحساب والقياس غاية في الرهافة والإتقان،بما يتناقض مع النظرة السائدة لهم كحضارات بدائية،ولعل مصدر هذا الإشكال هو الإرث الروحي المقترن بهذا التفوق المادي،والذي يقدم تفسيراً خرافياً ساذجاً للعالم في تباين صارخ مع التقدم المادي،فالبون الشاسع بين الفكري والمادي،هو ما حدا بالدارسين لتصنيفهم كحضارات بدائية من ناحية،وانسجاما.ً مع هذه النظرة استهولوا واستعظموا تلك الإنجازات المادية الضخمة التي تستند إلى علوم ومعرفة وتقنيات،على درجة من الدقة والرهافة تغري بمقارنتها بالمعرفة والعلوم المعاصرين اللذين اهتدى لهما الإنسان بعد أو عبر آلاف السنين من التراكم المعرفي.

وهذه هي المفارقة التي سأنفذ من خلالها إلى تفسير الوحي والرسالات.

فقد انتهت هذه الحضارات إما إلى عبادة الملوك أو عبادة قوى الطبيعة،لدرجة تقديم القرابين البشرية الحية لها،إلى درجة تقديم أبنائهم وبناتهم،أي أعز وأثمن وأنفس ما يملكون . إكراماً لهذه القوى الغيبية الممثلة في قوى الطبيعة،وتكريسا، لتصوراتهم هذه جعلوا لهذه القوى آلهة تقف وراءها وابتدعوا لها أسماء يسمونهم بها،ويتقربون إليهم بذكرها.

أما السمة الاخرى البارزة لهذه الحضارات،فتتمثل في سعيهم للخلود أو إدامة الحياة البشرية،ولمّا لم يجدوا سبيلاً للتغلب على الموت والفناء البشري،ابتدعوا فنّ التحنيط الذي لم يسبر أحد أسراره حتى اليوم،وحتى الرسم والتصوير والنحت يندرج تحت محاولات التخليد هذه.

ويبدو إن هذه الحضارات قد وقفت جامدة عند هذا التصور،ولم تبحث عن إله خارج هذه المنظومة الفكرية،ومن هنا خطا الوحي والتنزيل والرسالات إلى هذا المشهد،ليخرجهم من هذه الدائرة الفكرية المغلقة ويفتح أذهانهم على وجود آخر،ولذا كان أول ما تحدى به النبي إبراهيم النمرود ملك بابل هو إحياء الميت،وأبلغ معجزة قدمها النبي عيسى المسيح عليه السلام،هي إحياء الميت،وشفاء الامراض والعاهات التي وقفوا أمامها عاجزين،تأكيداً للقصور البشري من ناحية وللقدرة الإلهية التي يدعوهم إلى عبادتها من ناحية أخرى،وهكذا حول موسى العصا إلى ثعبان حقيقي حي وشق ّالبحر بعصاه،متحدياً عجزهم وعجز آلهتهم ،ليرفعوا أبصارهم إلى هذا الإله الحق،الحي الذي لا يعجزه شيء.

هذا الإله الذي استبدل شرائعهم بشرائع جديدة تحلل ما حرموه وتحرم ما حلّلوه،ومن هنا كان مفهوم الحلال والحرام لصيقاً بعبادة الإله الواحد وشقه الذي لا ينفصل عنه،فحرّم زواج الاخت والبنت والعمة والخالة والجدة،لتصحيح وتقويم مسيرة السلالة البشرية.

ببساطة فإن هدف الوحي والرسالات،هو تصحيح العقيدة وتوجيه العقل البشري لعبادة إله واحد،وتأكيد الإلتزام تجاهه،هذا الإله الذي يرضيه أو يغضبه السلوك والممارسة،والذي لا يطلب قرابيناً بشرية ولا تضحية بالأبناء،ولذا كان فداء إسماعيل بذبح عظيم هي النفي النهائي والحاسم للقرابين البشرية،وجعل حتى الأضاحي موضوعاً للإنتفاع البشري،وليس لنفع الإله.

لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم.

والآيات القرآنية والتي لم يتكلف الباحثون في الوحي والأديان عناء الرجوع إليها، صريحة الدلالة على كل ما قدمنا،فقد نعى الله على عاد وثمود محاولاتهم العابثة لتخليد إنفسهم،في حين انه لا خلود للوجود البشري وحياته مرتهنة وقصيرة لأنها عبور إلى الحياة الأخرى الأبدية،فالفكر الديني الذي نزل به الوحي هو منظومة متكاملة،محكومة بالسنن والنواميس الإلهية التي أقامها الإله الواحد فيما أتاحه لهذا الوجود البشري، العابر ولهذا قرعهم الله باللوم على محاولة تخليد هذا الوجود التي لا طائل تحتها ولن تنتهي إلى نتيجة،فقال:وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون،يستوي في ذلك ما كان إبان الحياة او بعد الموت.

ثم نعى عليهم قسوتهم البالغة،فمن خصائص الدين الرحمة وهي من صفات الإله الواحد المعبود”وإذا بطشتم بطشتم جبارين”!.

نجد ذيولاً لهذا المفهوم الوثني في تصورات نيتشة عن السوبر مان أو الإنسان المتفوق،والذي آل إلى تشريع التخلص من الضعفاء وأصحاب العاهات والمصابين بقصور بشري وصولا للإنسان الكامل،هذه الطوباوية الوثنية التي ولدت من رحمها النازية وأدخلت البشرية في حروب فناء وإفناء توجت بإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغزاكي”وإذا بطشتم بطشتم جبارين”.

يقابلها الوثنية اليابانية التي مارست أشد أنواع القسوة واكثرها بطشاً،في سبيل إرضاء الإمبراطور الإله.

هذه الوثنيات المعاصرة التي لم تنجح المسيحية بصيغتها التي تبناها الإمبراطور الروماني قسطنطين،في اجتثاثها من المجتمعات البشرية،لدرجة أن برناردشو ثنى على نيتشة في مسرحيته المعروفة”الإنسان والإنسان المتفوق:مان اند سوبر مان. ومن هنا جدارة البعث المحمدي والرسالة المحمدية، لمواصلة التصحيح والتقويم للتصورات والمفاهيم لنزع ما علق وظل عالقا في المسيرة الفكرية البشرية حتى يومنا المعاصر.

ومن هنا كانت أهليتها كخاتمة للرسالات بنص خالد جامع مانع،لا سبيل إلى تحريفه وتزييفه بقرار إلهي.

وقد تنبه برناردشو إلى هذه الحقيقة فقالٌ:يستطيع الرسول محمد لو كان حيا بيننا ان يحل مشاكل العالم وهو يشرب فنجاناً من القهوة.

وبمعنى آخر إذا صحّ مبدأ التوحيد البسيط وما تمخض عنه من تشريع وتنظيم وتحليل وتحريم، صحت مسيرة الحياة البشرية.وبالطبع لم يتفرد برناردشو بهذا الثناء فقد نحا نحوه طائفة من فلاسفة الغرب ومفكريه،انتهى الأمر ببعضهم إلى الإعتناق الفعلي للإسلام

وفي هذا الضوء يصبح فصل الدين عن الدولة بالمفهوم الإسلامي هو إعادة الحياة البشرية إلى نقطة الصفر،وتعليق مصيرها بالاجتهادات البشرية التي لا يمكن أن تلتقي على أمر جامع او تقدم تصوراً موحداً،حتى لو تذرعت بمسمى العقل،فإن الملكة البشرية لا يمكن أن تختصر تحت عنوان العقل،الذي لم يتفق الفلاسفة على تعريفه.

ومن هنا كان النفي القاطع للشرك على مستوى التصور وعلى مستوى السلوك،من قبل الإسلام، لأن تعدد المصادر بإحالاتها إلى مسمى العقل،ينقض فكرة توحيد الربوبية والألوهية من أساسها،ويرجعها إلى الخبط في الظلمة.

ولذا حدّد الله رسالة الرسل “ليخرجكم من الظلمات إلى النور”.

ولا بد من التنويه أن المنظومة الدينية الفكريةالإسلامية هي منظومة عقلانية إستدلالية ولكن بركائز عقائدية تقريرية غيبية،ملموسة الآثار،ولا تقف مع العقل على الطرف النقيض،إلا في حالة واحدة هي العقل الإنكاري المضاد،الذي يقول مثلا بأزلية المادة أو عدم وجود الخالق،ثم يطلب الدليل عل عكس ما يقول،وهذه حالة ذهنية مغلقة صنفها الدين ضلالة من ضلالات العقل،ولكنه ترك الطريق إليها مفتوحاً،لانه قرر للإنسان حرية الخيار،وجعل للخيار الصحيح مكافاة وثواباً،وللخيار الخاطيء جزاء وعقاباً.

إنها شعلة الحرية المقدسة أول عتبة من عتبات الدين،منذ رفض إبليس بإرادته الحرة السجود لآدم.

لقد كانت الوثنية هي الحالة السائدة وقت نزول الوحي وبعث الرسالات،في انحراف فادح عن أصل العبادة،

لأن الأصل بالتعريف هي الهيأة الاولى التي خلق الله الناس عليها،وهذه جذورها في الغيب من عند آدم.ثم نزوله إلى الأرض  وقد كانت أول جريمة ارتكبها الإنسان جريمة سلوكية وليست عقائدية،مصدرها الجشع والحسد والغيرة.وحين بدأت المجتمعات البشرية في تأطير هذا السلوك حرفت العبادة إلى الملوك ولذا كانوا هم المعبودين في كل الحضارات التي سبقت نزول الوحي ،الفرعونية والبابلية والهندية فكريشنا كان ملكا إلها وكذا الفرعون.

ولكن الفطرة البشرية مدفوعة بغريزة التعبد خرجت عن هذه الدائرة إلى البحث عن إله معبود خارج الدائرة البشرية وقد روى لنا القرآن الكريم هذه الرواية بكل دقة في توجه إبراهيم لعبادة الشمس والقمر والكواكب ولكن هذا لم يقنع عقله ولا فطرته المتوثبة فهداه الوحي إلى التوحيد وبعثه نبيا فاطمأنت نفسه وقر بحثه وهنا مبدأ الرسالات والأديان وانطلاق المعركة الطويلة ضد مظاهر التوثين والتجسيد نحو المطلق والمجرد والمنزه عن التشبيه أليست! هذه صفات الله؟ولذا أعاد الله انحرافات الأمم حتى من أصحاب الرسالات إلى هذا الأصلُ”ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين” هذه البراءة من الشرك بكل مظاهره هي الوثيقة الاولى .وقد قرأت لأحد الأنثروبولوجيين الذي حقق في ديانة الهنود الحمر وكانت إجابتهم بكل بساطة أنهم يعبدون الروح الأعظم”great spirit

ولكن التزييف العلمي نسب إليهم عبادة البرق والرعد ومظاهر الطبيعة فقط حتى يٌرسّخوا أساسا علمياً لنقض التوحيد وجعله ليس أصلا بل الأصل هو التعدد.وأنا أعدّ ذلك كيدا مقصودا لديانة التوحيد الخالصة الإسلام.وهكذا يجند العلم والبحث والعقل كذريعة للكفر ،ونحن لا زدري كم التدليس والتهليس الذي دخل إلى الحوزتين الدينية و العلمية لأغراض سياسيّة،تخدم أهدافا إستعمارية،رافقت حركة الإستعمار الحديث.ونزعة السيطرة والنهب وهي خصيصة هيكلية بنيوية في الحركة الإستعمارية الحديثة،وظفت الدين والعلم كأدوات إسناد لقوتها العسكرية المتفوقة.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. كل ما جاء في مقالكم أستاذ صحيح تمام الصخة في نظرنا. ومقالكم يعبر بعمق عن الاسلام التوحيدي السليم. شكرا لكم استاذ على هذا المقال الرفيع.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here