نزار حسين راشد: “الواقع العربي بين مشهدين الفكري والسياسي”

نزار حسين راشد

 المستعرض لتاريخ الفلسفة الغربية التنويرية الحديثة،يخرج بنتيجة قاطعة مفادها،أن هذه الفلسفة بكل أبطالها ورموزها،من فولتير وروسو إلى نيتشه وهيجل،ومرورا بعمانؤيل كنت ودوغلاس هيوم،لم تكن إلا ثورة فكرية على المقولات الكنسية المسيحية،تسعى إلى تحرير العقل الأوروبي من الموروث الديني المسيحي،ومؤسسته السلطوية: الكنيسة المسيحية،والتي تحولت إلى سلطة سياسية غاشمة،تستعير منها الملكيات المطلقة صبغتها الإلهية!

فهل نحن في واقعنا العربي المعاصر أمام حالة مشابهة لما مرّت به أوروبا في عصر التنوير،وهل تحولّ الدين إلى مؤسسة تؤله الحاكم وتضفي القداسة الدينية على شخصه،وتحرّم الخروج عليه؟

هناك فارق جوهري في منحنى التطور العربي،مقارنة بالغربي،فبينما ولدت الحركة التنويرية الغربية،على يد البرجوازية الفرنسية الصاعدة،التي بدأت تتململ من نير السلطة المطلقة للملك،المعزّزة بسلطة الكنيسة،وتحولّت من ثم إلى ثورات شعبية،ولدت الأنظمة السياسية العربية القطرية،بعملية قيصرية،بمبضع الحركة الإستعمارية،في ظرف تاريخي محدد الملابسات،حيث انقض

ت عل  إرث الخلافة العثمانية في لحظة ضعف،منهية عقوداً من المقارعة المنهكة مع هذه الإمبراطورية العنيدة،ومن ثم أتبعت ذلك بتأطير فكري،ينزع القداسة عن هذه الدولة،ويروج للأفكار العلمانية كبديل للموروث الديني المقدس،فروّج للحركات والأفكار القومية،والتي خرجت من رحم الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة السوربون في باريس،بالتشجيع والرعاية الإستعمارية،وضمن دائرة نشاطٍ تبشيري أكثر اتساعاً،ومع ذلك فقد أبقت على الموروث الديني في الحيز الذي يمكن توظيفه لصالحها،فحافظت على هذا الموروث في الجزيرة العربية،ولكنها بدّلت أقانيمه،ملبسة العباءة الدينية القدسية  لتابعيها الجدد ،عوضاً عن خصمها القديم: الخلافة العثمانية!

على الجبهة الفكرية،لن نجد في واقعنا الفكري موازياً للصيحات التي أطلقها التنويريون الغربيون مثل موت الإله التي أعلنها نيتشه،أو العودة إلى العقل كبديل للدين  التي أطلقها عمانؤيل كانت،بل على العكس من ذلك حاول القوميون العرب توظيف الدين كمكون تاريخي وحضاري وجامع للأمة،لرفد حركتهم وإمدادها بالزخم التاريخي،وإضفاء الشرعية عليها!وظلت الأصوات الداعية إلى خلاف ذلك،كساطع الحصري،أصواتاً خافتة،بينما علا صوت ميشيل عفلق،الذي دعا إلى أمة في رجل هو محمد صلى الله عليه وسلم!

ومع ذلك فقد دخلت الأنظمة القطرية،في مشادة مع الدين حين أصبحت الحركات الممثلة له مصدر تهديد لسلطتها،ولكن ذلك ظل ضمن الصراع السياسي،ولم تتجرأ هذه الأنظمة،على النقض الفكري للدين،أو الدخول في مشادة حول المقدسات الدينية،وظل اتهامها موجها للحركات والتنظيمات الدينية دون الدين نفسه!

ولعل أكثر الأصوات تطرفاً كان الشيوعيون،ولكن مساحتهم الجماهيرية ظلت ضيقة،وظلت أصواتهم حبيسة حناجرهم ومنابرهم،ولم تشكل تياراً فكرياً سياسياً جماهيرياً كالقوميين العرب!

وفي الحقيقة فقد ارتكب الاستعمار التنويري خطيئته الكبرى،بزرع إسرائيل في قلب الوطن العربي،فتلونت دعوته بالتآمر وسوء النية،واستنفر بفعلته هذه الحركات والروح الجهادية من اللحظة الأولى،وماذا غيرُ الجهاد في سبيل الله سيعبيء الجماهير للقتال،ضد إسرائيل،ورعاتها التنويريين!

وهكذا قبع الفكر التنويري،في قفص الإتهام وأصبح هدفاً مكشوفاً لسهام الإسلاميين،فالعلماني التنويري هو الذي انهزم في المواجهة العسكرية،وهو الذي وقّع اتفاقيات السلام المذلة مع إسرائيل،وتتوالى الشواهد،فالجهادي الإسلامي كحركة حماس هو الذي يرفع راية المقاومة ضد إسرائيل دون تنازل،بينما انبطح العلمانيون ورفعوا الراية البيضاء،وحتى الأنظمة العلمانية التي أبقت على شعار المقاومة،لم تجد لها من ملجأ أخير سوى حزب ديني كحزب الله ونظام ديني كالنظام الإير اني!

وهكذا انهارت قوائم ومرتكزات الفكر التنويري العربي،بحكم المواجهة الحضارية مع سادته وسدنته المستعمرين الغربيين،وسفيرتهم سيئة الذكر إسرائيل!

أما المعركة الحامية الآن على الجبهة الأمامية فهي بين دين تنويري يدعو للديمقراطية وإسقاط الديكتاتوريات،وبين دين ظلامي تكفيري يدعم الطغاة والديكتاتوريات،لا بل يمارس هو ذاته أشد أنواع الطغيان دموية،ولعل مستقبلنا الفكري والسياسي،سيولد من رحم استنارة دينية معقلنة لا علمانية لادينية منكرة!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here