نزار حسين راشد: “الرابح الأكبر”

نزار حسين راشد

بدت مثل بجعة صغيرة، وهي تؤدي رقصة الباليه، بتنورتها البيضاء القصيرة، كذيل البجعة، وتساءلت ماذا سيكون مستقبل هذه الصغيرة، في مجتمع محافظ، وعائلة متحررة، ولمن سيكون النصر، للعائلة أو للمجتمع؟

لم يطل انتظاري، ورأيتها بعد سنوات قليلة، بوجهها البيضاوي الشمعي، المشرب بحمرة خفيفة، وقد اختفى الشَّعر، تحت حجاب الأميرة، الذي ترتديه الفتيات المحافظات، لم تنتظر طويلاً بعد التخرج فاقترنت بشاب ما،  وعاشت حياتها كزوجة ثم أم!

لقد تغير مجتمعنا كثيرا منذ ذلك الحين، واجتاحته موجة التدين، ربما لو كانت شاباً لأطلقت لحيتها، ضحكتُ للخاطرة!

قليلون فقط تابعوا النمط الغربي للحياة، ترى من كان الرابح الأكبر هي أم هم؟

لقد ظل مجتمعنا ضحية هذا الصراع، موجة التغريب ضد أغلبية متشبثة بمظاهر هويتها، وأكاد أجزم أن الهوية ستكسب المعركة، ببساطة لأن المغرِّبون، يشعروننا بالتهديد، وفي النهاية فإن رد الفعل أكبر من الفعل، وكل من يظهر تحدياً للدين، يتلقى سهام الهجوم من كل اتجاه!

فلسنا على استعداد لخسارة المعركة لحساب نخبة مترفة متسلطة وانتهازية!

وتفنيداً لنظرية ابن خلدون، فلم نعد مفتونين بالغزاة، فقد رأينا من وحشيتهم ما يكفي، في العراق ومصر وسوريا واليمن!

وهكذا تساقطت قلاعٌ كثيرة،  اليسار والقومية على رأسها، وحاول الليبراليون التقاط الراية، ولكنهم ارتكبوا الخطأ الفادح باستنساخ النموذج الإقتصادي الليبرالي، فهدموا الحصون القديمة، وعجزوا عن بناء بديل أفضل، ولم يتركوا وراءهم إلا الخراب، فانفجر الربيع العربي، وعجزوا مرة أخرى عن قيادته فولدت على إثره ديكتاتورياتٌ طارئة زادت الأمور سوءاً!

ومكثت طفلة الأمس في عشها الآمن، بعيدا عن عن خشبة المسرح، التي اعتلاها ممثلون سيؤون جداً، اختاروا أدواراً عبثية، ذهبت إلى طرف قصي ممعن في غبائه يروج للشذوذ باسم الحرية، وتغنوا بحرية الستينات أيام كانت طفلتنا بجعة صغيرة، لم تكبر أبداً لتصبح نجمة باليه، بل أماً وزوجة صالحة! حتى عدونا اختار بابا أكثر مكرا فوظف النصوص الدينية، لينفذ إلى قناعاتنا ودخائلنا ولكنه لم يحصد إلا السخرية!

وعلى الجبهة الأخرى فشل المتلحفون بالدين وتحالفوا مع ديكتاتوريات ما بعد الربيع!

الذاكرة الشعبية لا تنسى التخاذل أمام العاصفة، وحتى الإخوان المسلمون سجلوا فشلهم أيضا في قيادة المرحلة، والمتطرفون قدموا نموذجا موغلاً في التوحش، وهم يوشكون على الإنقراض بعد أن اقترفوا ما اقترفوه، ولم يبق إلا ملح الأرض، الناس العاديون المتشبثون بهويتهم حتى النهاية، أياً كان ما يطفو على السطح لأجلٍ أو آخر وأظنهم سيكونون الرابحون في النهاية، فقد شحنهم التحدي بالحياة، وعبّأ عزيمتهم ولا يبدو أنهم سيقبلون بالهزيمة أمام هذا التداعي الأممي لسرقة قصعتهم أو ملئها بما لا يستسيغونه!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here