نزار حسين راشد: “التجربة المُرّة لمنيف الرزاز: الخلفيات الفكرية”

نزار حسين راشد

برغم العنوان الذي يوحي أن منيف سيكتب بقلمٍ يقطر مرارة، وخلافاً للتوقع، يكتب منيف بمنتهى التماسك والموضوعية، صحيح أنه يوحي إليك  أن ظهره للجدار كونه تحت الإقامة الجبرية، إلا أن ذلك ربما كان حافزه لينافح عن إيجابيات التجربة، برغم مرارتها ،في محاولة مستيئسة لإنقاذ التجربة،أو ما تبقى منها، إلا أن الأحداث تخلف الظن ويتم اغتياله مسموماً بأوامر ممن يحاول إنقاذه، ليتحول كتابه، إلى شاهدٍ عدل، يفضح مرارة التجربة، وعلة فشلها النهائي،وتصبح كلماته نقشاً على شاهد قبر التجربة القومية العربية، ممثلة بوريثها الأخير ،حزب البعث العربي الإشتراكي!

في استعراضه للتجربة الحزبية، شخّص منيف الرزاز أعراض فشلها بدقة وبراعة، وحاول أن يصف طريقاً للخر وج وكورساً العلاج، ولكنه وقف عند خط النهاية، الحد الذي لا يستطيع تجاوزه إلا بنسف التجربة من أساسها والإطاحة بمرتكزاتها، ألا وهو تعديل الموقف من الدين الإسلامي، من السلبية المطلقة التي تبناها البعث، إلا الإيجابية الإيمانية، وهو موقف ملزم بحكم النشأة،أشار إليه ساطع الحصري،بوضوح صارخ حين أشار إلى أن معظم إن لم يكن الغالبية المطلقة من رموز النهضة العربي هم من المسيحيين، فكيف يمكن اعتبار الدين الإسلامي رابطاً أساساً من الروابط القومية،العربية! وهي العقدة التي تجاوزها ميشيل عفلق، باعتبار الإسلام حجر الزاوية في الثقافة والحضارة العربية!

منيف الرزاز في روايته، للأحداث، يعيد التأكيد على هذا المفهوم، من خلال تأصيل فكري أكثر خصوصية وجذرية، فهو يعتبر أن القيمة النضالية لحزب البعث هي في المواجهة مع الهجمة الإستعمارية والتي هي خضارية وثقافية في جوهرها! مرة أخرى فهو تصور صحيح ولكن كيف سيكون ذلك بمعزل عن الدين؟

ضمنياً يدرك الرزاز جدارة هذا السؤال، ويجيب عليه إجابة مفتوحة استناداً للفكر الماركسي، والذي يمثل على امتداد الرواية، المرجع الأساسي لفكر الرزاز وطرحه واجتهاداته!

فهو يرى أن معطيات الواقع هي التي ترسم خطوط وملامح الفكر،وليس التصور المسبقٌ الذي يٌسقط على الواقع،وهي فكرة ديالكتيكية ماركسية صميمة،تطبع مجمل تصور الرزاز الفكري، لا بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك فيرى أن الإخوان المسلمين لا يملكون مشروعاً عملياً للنهوض بالمجتمع بالرغم من شجاعتهم وتضحياتهم في مقاومة المشروع الإستعماري،ممثلا برأس حربته إسرائيل ! ومرة أخرى يرى الرزاز في الماركسية مرجعاً يوفر خارطة لهذا المشروع، ولذا فهو يشيد بالتجربة الناصرية في التأميم والقضاء على الإقطاع، ولكنه ينتقدها انتقادا لاذعا من الناحية الأخرى لإضعافها دور القواعد الجماهيرية وإلغائها للتنظيم الحزبي الذي يعبر عن تطلعاتها، وحيث حلت حزب البعث بعد الوحدة المصرية السورية عام١٩٥٨وهو ما شكل العامل الأساسي في فشل الوحدة! والغريب أن الرزاز لا يرى في قناعاته الماركسية تناقضاً مع معارضته للأممية  الشيوعية، التي تبنتها الأحزاب الشيوعية العربية،وهو يشيد بإسقاط عبد الكريم القاسم عقاباً على شيوعيته وأمميته التي تسقط هدف الوحدة العربية!

يتحدث الرزاز عن الإنقلابات وتغول العسكر ويعزوها إلىأخطاء تنظيمية على رأسها ضعف التنظيم الحزبي في الجيش، ومع ذلك فهو لا يرى غضاضة في التعاون مع الجيش لإسقاط نظام رجعي باعتبار الجيش قاعدة تنظيمية للحزب ومع ذلك تسير الأمور بعكس ما تصور الرزاز أو تمنى، فينقض الجيش على الحكم في سوريا، ضاربا بالشعب والحزب عرض الحائط وتتحول الدولة التقدمية إلى قلعة عسكرية أول ضحايها هي القيادات التنظيمية وعلى رأسها نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وسليم حاطوم ومنيف الرزاز نفسه، الذي يلجأ إلى الدولة المصنفة رجعية في قاموسه الحزبي : الأردن !والتي فشل فيها الإنقلاب العسكري، أو ما سمي بحركة الضباط الأحرار!

مع ذلك لا يرى منيف في معطيات الواقع هذه،سببا للمراجعة الفكرية أو تعديل مبادئه ،فهو مٌصرٌّ إصراراً تاماً على إن الخطأ هو سلوكي تنظيمي وليس مبدئياً، وعليه سيقوم بخطوته الأخيرة ويعود إلى العراق ،فيوضع في الإقامة الجبرية،ويلاقي حتفه على يد زعيم الحزب: الزعيم الأوحد الذي لم يجد لا في إخلاص الرزاز ولا في تفانيه وغيرته ما يشفع له،لا بل يعتبره مصدر تهديد للحكم يجب القضاء عليه والتخلص منه،حفاظاً على حكم البعث ورسالته الخالدة ممثلة بالزعيم الأوحد واستنساخا للنموذج السوري حتى في التماثيل والأنصاب التي تملأ الساحات،ولكنها صمّاء لا ترفع سلاحاً ولا تشرع كفاً لمقاومة عدو أو نصرة صديق!فسقطت عند أول مواجهة!

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here