نزار حسين راشد: إسلام المفكّرين عنوانٌ ثقافي أم هوية أيديولوجية

نزار حسين راشد

نُمي عن خروتشوف حين عوتب على  توقيعه على بياض لجمال عبد الناصر لحل الحزب الشيوعي المصري أنه قال:مع حليف كعبد الناصر لا أحتاج إلى حزبٍ شيوعي،إنه شيوعي أكثر مني!

معروف عن خروتشوف أنه كان يملك حسّاً للدعابة،وربما أن هذه الدعابة،كان لها الفضل في إنقاذ رقبته من بطش ستالين،فقد كان ستالين يندبه للرقص حين يريد التسرية عن نفسه: أرقص يا نيكوتي الصغير، أرقص،وكان خروتشوف ينهض للرقص بين يديه دون تردّد،فاستخلفه ستالين وما فعله خروتشوف عقب توليه رئاسة الحزب والدولة أنه نقض العهد الستاليني برمته،وفتح عهداً جديداً في تاريخ الدولة السوفياتية.

ومن المفارقات وبالرغم من حل الحزب الشيوعي المصري أن الثقافة والصحافة اليساريتان في ذلك العهد،تصدرتا المشهد وبرزت مجلة الطليعة وروز اليوسف وصحيفة الأهرام كمنابر تشكل الوعي العام وتدفعه للسباحة مع تيار القيادة.

ولم يكن الملفت أن يبقى هناك هامش للصوت الليبرالي الذي تسامح معه النظام،ولكن الأكثر إلفاتاً هو حضور النكهة الإسلامية في الصوت اليساري حتى الملتحف أو المتماهي مع المادية الجدلية الماركسية،فكان عبد الوهاب المسيري وعبد الرحمن الشرقاوي من الأمثلة البارزة على تلك الظاهرة،بينما نأى مفكرون علمانيون كحسن حنفي عن المقولة الدينية تماماً،وعقب انتهاء الحقبة الناصرية حسم المسيري أمره بالانحياز للإسلام كفكر وعقيدة،وكذا فعل الشرقاوي حين جهر بوضوح أن الإسلام نظام سماوي يصلح للنهوض بالإنسانية.

ولكن السؤال بقي مفتوحاً هل التزم هؤلاء بتكاليف الإسلام وفرائضه أم أنهم فقط يرونه صالحاً أن يشتق منه نظام إجتماعي ومنظومة قيمية؟

يقول الشرقاوي أن نظرية الفضل في الإسلام لا تضاهيها أي نظرية اقتصادية،بمعنى أن مازاد عندك هو حق لغيرك،وهو يؤكد انها تختلف عن المبدأ الماركسي،من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته اختلافاً جوهرياً.

فهل انحيازه القديم لمبدأ العدالة الإجتماعية هو ما نقله تلك النقلة نحو الإسلام.

في الحقيقة فإن الإشادة بالإسلام دون الإلتزام بتكاليفه،هي ظاهرة تستحق التوقف،فقد سبق عباس محمود العقاد في هذا المضمار ولم يؤثر عنه حسب المقربين منه أنه التزم بصلاة أو صيام،فهل كان مستلهماً لجورج برناردشو الذي قال قولته المشهورة: لو كان محمد حيّاً بيننا لحلّ مشاكل العالم بينما يحتسي فنجاناً من القهوة.

في ذلك العهد وفي تلك الأوساط الثقافية لم يكن السؤال مطروحاً حول تطبيق الشريعة بحدودها وإقامة نظام إسلامي،إلا من طرف الإخوان المسلمين،والذين صُنفوا كخصوم ألدّاء للنظام فأعدم منهم من أعدم وسجن من سجن،وبقي من يطرح الإسلام كنظام جميل من داخل الدائرة الثقافية في مأمن مادام ملتزماً أو غير معترض على النهج السياسي للدولة.ولعل من أبرز الأمثلة الكاتب محمد جلال كشك.

من الأدباء العالميين الذين أثنوا على الإسلام لدرجة أشيع أنهم اعتنقوه،ألكسندر بوشكين الشاعر الروسي المعروف وليو تولستوي الغني عن التعريف.

على أية حال فإسلام هؤلاء المنتمين للعهد الناصري وحتى لو تقاعسوا عن عبء الفرائض والتكاليف،هو إسلام أعمق تأثيراً وأكثر تنويراً من الإسلام السلفي،الذي استورده السادات  من السعودية حين خلف الحقبة الناصرية وحقن به المجتمع المصري ونصبه سدّاً ليحدّ من انتشار تيار الإخوان المسلمين،فهو إسلام مجتزأً مبتسر وحليفٌ تلقائي لأي سلطة قائمة ومقتصر على المسائل الفقهية اليومية دون المسائل الفكرية والثقافية الجامعة،وقد انتهى به الأمر في أحضان نظام السيسي الذي لم يُحقّ حقّاً ولم يبطل باطلاً بالمعيار الإسلامي الذي يرفعون شعاره.

ما نشهده هذه  الأيام هو انجرافٌ نخبوي نحو تغريب معاد للإسلام من خلال حركات تتخفى وراء عناوين كالجندرية والفيمنزم والإيمان بلا حدود،مما لا يدع مجالاً للشك أن الأيديولوجية الغربية تتناقض مع الإسلام تناقضاً صفريّاً أيديولوجياً وسياسياً ولذا فهي مستعدة لمناصرة أي ديكتاتورية تتبنى نهجها الفكري السياسي والإقتصدي،وهدم أي ديمقراطية تُعبّأ بغير تلك المضامين أو تتبنى الإسلام ولو كعنوان فقط،ولذا نجد مفكّراً كجوزيف مسعد لا يزال متمسكاً بأذيال الماركسية،لأنه يدرك تماماً أن الثقافةالغربية والتي يصمها أستاذه إدوارد سعيد بالإستشراقية،تنسف أول ما تنسف المنظومة الأخلاقية،وبُنى الهوية الإجتماعيةبالرغم من ادعائها بالتدين والإيمان فهو إيمان لا يترجم إلى سلوك ولا إلى حق ولا إلى عدل بل إلى ممارسات وسياسات تنسف هذا الثلاثي من أساسه.

وهو ليس وحيداً في المضمار فلا تزال مقولة الرأسمالية المتوحشة على لسان حتى أولئك الذين هجروا الايديولوجيا الماركسية!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here