نزار حسين راشد: أمومة: متّسعٌ للسعادة

نزار حسين راشد

كنتُ صبيّا مشاغباًُ،وكثيراً ما كنت أرافق والدي إلى معسكرات الجيش،فأقود سيارة اللاند روفر الخاصة به دون خشية،في فضاء المعسكر المفتوح،وأعبث بالسلاح المفرغ من الرصاص،أو أقلّد حركات الجنود أثناء الطابور!

كلّ هذه الإمتيازات كانت من بركات كون والدي وكيل السريّة،المسؤول عن منح الإجازات،وصرف البدلات،وتبديل قطع السلاح،وشطب العهدة،والتغاضي عن نقص الذخيرة التي يطلقها الجنود في حفلات الأعراس أو رحلات الصّيد

وكان ظهوره في الحارة في ذلك اليوم بسيارة اللاند روفر،التي أوصاني أن أبقي عيني عليها من عبث الصبيان،قبل أن يدخل إلى البيت،مبعث حفاوة كبيرة!

كانت هذه فرصتي الذهبية لأمارس استعراضاتي المتعالية على رفاق الحارة،فقفزت إلى وراء عجلة القيادة،وقفز إلى جانبي صديقي المقرّب علي ووقف الآخرون للفرجة مترقبين ما سيؤول إليه المشهد.

أدرت المحرك واستلمت عجلة القيادة وضغطت دعسة البنزين،ولم أنتبه لقصر المسافة بيني وبين سور الجيران،فصدمته قبل أن أتمكن من ضغط الكوابح،وانهدم السور وتداعت اللبنات ونزلتُ مهرولاً لأتفحص الضرر ،في حين تكور عليّ على أرضية السيارة،حتى لا يلاحظه أحد،وانسلّ هارباً،ووقف الأولاد الآخرون بين شامتٍ ومتعاطف! وسرعان ما وثب  إلى المشهد صاحب البيت،وهو يهدد ويشتم ويتوعد ويسأل:

أين أبوك اللي مش مربيك؟

لم يطل الأمر كثيراً حتى لحقت به زوجته وخطت إلى وسط المعمعة،ولشدة دهشتي اتجهت نحوي مباشرة،وقرفصت بسبب طول قامتها،لتتمكن من تحسُّس وجهي:

– هل انت بخير يا بني؟هل تشعر بألم في رأسك؟

ولم تلبث أن التفتت من فوق كتفها نحو زوجها مؤنبة:

– يعني ما بدل ما تطمئن على الولد، كل ما يهمك هو بضع لبنات في السور،لا تكلّف دينارين؟

كل هذه الضجة لم تدفع والدي إلى الخروج،فإما أنه كان مستغرقاً في أمرٍ ما مع والدتي،أو أنه ظنه شجاراً عاديّاً،مما يحدث في الحارات عادةً!

مرت الأمور على خير،أما أنا فقد ترك موقف المرأة أثراً عميقأً في نفسي،وصرت أتردد على بيتهم وأتطوع لإحضار أي غرضّ تحتاجه من السوق،وعلقت أمي بقولها:

– مسكينة،بتحب الصبيان عشان ما أجاها عيال  أي أنها لم تنجب!

أثّّر في ذلك كثيراً حتى أنني صرت أتردد على المسجد،لأدعو الله أن يرزقها بولد!

مضت على هذه الأحداث سنوات وسنوات وتفرق أهلها باستثناء ابن خالتي الذي توظّف في البلدية القريب مبناها من بيتهم،والسيدة سماح،وحين زرته بعد كلّ تلك المدّة،روى لي كل أخبار الحارة:

-شكري توفاه الله،سماح أنجبت صبياً!

وصرخت مبتهجاً وأنا أسنوقف براحة يدي عند هذا الخبر وأعلن في فرح أن الله استجاب دعائي!

ليرد ابن خالتي متهكّماً:

– دعاءك أيش يا إبني؟هل أنت ولي من اولياء الله؟إنت كنت أصيع واحد في الحارة! ليردف بعد ذلك:

-طفل أنابيب يا إبني! طفل أنابيب! هل تفهم؟

لم تثبطني سخريته ورددت بعجرفتي المعهودة التي اعتادها مني:

– يبدو أن عقلك لم يكبر ليستوعب ما يحدث في العالم! الا تفهم أن التطور سنة الله؟وأن الله سبحانه وتعالى هو  الذي علّم الإنسان ما لم يعلم”؟”

– على أية حال،كلنا فرحنا لها،وعملنالها حفلة بالحارة.اما العجيب أنك أنت تقلب شيخ! مش أنه الله يرزق أحداً بولد!

وانفجرنا ضاحكين ،ونحن نتحدث ونمرح فلم يزل في العالم متسع للسعادة!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here