نزار حسين راشد: أضواء على رواية مؤنس الرزاز :اعترافات كاتم صوت”

نزار حسين راشد

العبارة الكاشفة والمكثّفة والتي تتكرّر على لسان الحارس في رواية مؤنس الرّزاز “اعترافات كاتم صوت” هي: لماذا يكتب وهو يعرف أننا سنصادر ما يكتب؟

هذه الرواية الفصيرة التي تطلُّ علينا من خلف علامة التعجّب هذه، تلخّص تاريخاً طويلاً من الديكتاتوريات الدموية، الني جثمت على صدورنا طويلا وربما لا زلنا نتملل تحت وطأتها، في أنحاء وطننا العربي، الكبير بمعاناته!

كل فصل في هذه الرواية، هو جلسة تعذيب للبطل المقيم تحت الإقامة الجبرية، مشبوحا على كرسيه يكتب! وكل فصل هو طلقة مدوية تنزع كاتم الصوت وتطلق صرختها من خلف الجدر العازلة، وكأنها مائة عام لا من العزلة، بل من العزل القصري، والمفضي في النهاية إلى الموت لا إلى الفرج!

واقع يتجاوز في حدّته حدود الرمزية، غمستنا عبارات الكاتب وإيقاعه اللحوح بحمأة معاناته!

إنه مصرٌّ على قرع أسماعنا دون منحنا فرصة للإستراحة او الإسترخاء، وكأن هدفه أيصال الكلمات وتحريرها من الأسر، وإطلاق عصافيرها خارج جدار العزلة!

وفي الواقع الموازي للواقع الروائي، وفي العالم الحقيقي أيضاً، تفلت الكلمات من المصادرة وتحلّق خارج زنزانة الإضطهاد السياسي وينشر منيف الرزاز كتابه التسجيلي: التجربة المرة، فاضحاً مرارة التجربة السياسية الحزبية العربية، ويُركّب ابنه مؤنس أجنحة لتفاصيل هذه التجربة لتحلق بحرية في الفضاء الروائي، شاحنة نفوسنا بالإحتجاج على القهر والمرارة اللتين تقطر بهما أسمال الواقع السياسي العربي!

دون فواصل وربما بدقة جراحية، تلسع سياط الكلمات نهاياتنا العصبية، تحت الجلود التي تبلدت وفقدت حساسياتها، تحت سياط القهر!

وفي نهاية هذا الطواف المرهق يُجلسنا الكاتب تحت شجرة التأمل لنستخلص رحيق الحكمة!

نسيج روائي محكم الحبكة ومتماسك النسيج في تنوّع طيفي يبهر ويدهش!لقد حفرَتْ الكلمات آثارها في ممرات الذاكرة ولكنها رشت بلسماً في عمق جراحها المزمنة، ففي الحكاية عزاء واي عزاء، وحتى لا تفتر الهمة في النهوض والسعي إلى واقعٍ جديد بملامح أكثر أنساً، أليست تلك رسالة الفن الروائي؟اقد اوصلتها الرواية بنجاح.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here