نزار حسين راشد: “أزهار الشر: نزعة شعرية ام بدعة بودليرية؟

نزار حسين راشد

تقول صديقتي الشاعرة العذبة إيمان عبد الرزاق: كانت تشبه الناي، عذب وشجي

صارت تشبه الناي فارغ ومثقب!

هذا التباين الذي يوقفك بين صورتين شعريتين،  الظل والضوء هل هو تقنية؟أم نزعة شعرية لصيقة تطفر من مخيلة الشاعر بتلقائية تامة؟

لندع الشعر يجيب: يقول المتني:

كفى بك داءٍ ان ترى الموت شافيا

وحسب المنايا ان يكُن،  أمانيا

إطلالة على الموت ترغبك في الحياة، وتزيدك بها تعلقاً وشغفأُ!

ولكن هذه النزعة قد تصل إلى حد الإستحواذ، كما حدث مع بودلير، فيتردى من أعراف الشعر إلى جحيمه حيث لا تنبت إلا أزهار الشر، النبت الشيطاني:fleur du  diable

:يقول بودلير في ملحمته العالمية: أزهار الشر

وعلى  وسادة الشر

يهدهد الشيطان

أرواحنا المسحورة

وينزع منها معدن الإرادة النفيس

 ويقول:

انا غرفة انتظار عتيقة

تسكنها ازهار ذابلة

إنه يطفيء الانوار، ويدخلك حجرته المظلمة!

فهل هو اليأس الإنساني المغلوب بظروفه الوجودية، والذي تفجر من روح امرؤ القيس حيثٌ أنشد:

وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنواع الهموم ليبتلي

إنه الإمتحان الوجودي إذن ،  قرين النزعة الدينية والشعور بالخطيئة،  والحاجة إلى الإعتراف: يقول بودلير:

ونحن ندفع غاليا ثمن اعرافاتنا ونعتقد أننا نسدد خطايانا بالدموع

وهو يقصد بالطبع دموع الندم!

إنها النزعة الدينية ولوم الذات لدفعها دفعا إلى التطهر والاستغفار!

ولكنه يعبر إلى مملكة التصوف حين يعلن:

 أنا الجرح والسكين

أنا الضحية والجلاد

ذلك الإلتحام الصوفي بالثنائية الكونية، الإستبصار والفهم،  الذي يحول دون الإستسلام والغرق،  ويبقي الروح طافية على سطح الوعي بالمحاولة أو ما يسميه الصوفيون: الرياضة!

أزهار شره أشبه بحداء متصوفتنا:

أنا الحامل والمحمول والقاتل والمقتول

رحلة العذاب الوجودي في الطريق إلى الخلاص!

ولكن بالمعاناة الذاتية لا بالصليب، وهكذا ينشيء بودلير كما كل الشعراء جحيمه وجنته!

يقول محمود درويش:

تكونين أقرب منشفتي إلي.

وأبعد من قبلةٍ لاتصل

الشاعر يعانق قضيته حتى النهاية، فالتخلي هو الخطيئة الأزلية!

يقول بودلير:

نحن نمضي

غائصين في أوحالنا

وهو يقصد الجنس البشري طبعاً

وتقول إيمان عبد الرزاق:

لطائر الغياب روحي تاقت

وقلبي يباب

وتقول:

! على أي جهة من اعرافه أستكين

فهل يكون الشعر غير إطلالة كاشفة على الوجود تضيء ولو من خلال التغني بالظلام في محاولة مستيئسة لحل معضلة التضاد ولكن دون أن نقطعها بسكين اليأس!

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. 24 ساعه مضت على نزول هذا المقال
    لا تعليقات ولا نقاشات
    .
    .
    اعذرنا يا نزار
    لأننا
    لم نقرأ إلا الكتب إياها
    ولم نردد إلا الجمل إياها
    ولم نسمع إلا المذيع إياه
    ولم نر إلا وجه إياه
    ونأكل فقط الخبز إياه
    ولا نعبد
    إلا إياه

  2. قرأت قصيدة “أزهار الشر” وكانت تباع في السعودية – الرياض في الثمانينات … وكان لها أثر سيّء عليّ … وكنت استغرب على السعودية المحافظة بيع هذا الكتاب في مكاتبها … هل هو الجهل … ام أن الرقابة فقط عن الكتب السياسية حفاظاً على نظام الحكم الرجعي الغابر!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here