نزار القريشي: المغرب وإفريقيا الجديدة

 

 

نزار القريشي

خلال السنوات الأخيرة، سعى المغرب في بناء تصور تنموي وسياسي شامل ومتكامل، جامع ومانع، حول إفريقيا المستقبل، إفريقيا التي نريد، محملا العالم، وخاصة القوى الاستعمارية السابقة، مسؤولية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في القارة الإفريقية، خاصة مع استمرار نظرتها “الكولونيالية” إلى هذه القارة الغنية بالموارد والأسرار الخفية، التي تجعل منها “قارة المستقبل”.

ومن خلال الخطابات والرسائل الملكية، التي رفعها الملك محمد السادس في المنتديات والمحافل الوطنية والقارية والدولية، وكذا من خلال الزيارات الملكية الميدانية والعملية، التي جاب فيها الملك شرق القارة الإفريقية ومغربها، طولها وعرضها، تحاول هذه الدراسة رسم مستقبل إفريقيا في علاقتها بالمغرب، ومستقبل المغرب داخل القارة الإفريقية، كما رسمتها التوجهات والمشاريع، والتصورات والأوراش التي أعلن عنها الملك محمد السادس خلال الفترات الأخيرة، من أجل “إفريقيا جديدة”.

 

 

ومن وجهة النظر الملكية، فإن على إفريقيا أيضا ألا تظل رهينة لماضيها ولمشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية، بحسب منطوق الخطاب الملكي، بل عليها أن تتطلع لمستقبلها، بكل عزم وتفاؤل، وأن تستثمر في سبيل ذلك كل طاقاتها.

فإذا كان القرن الماضي بمثابة قرن الانعتاق من الاستعمار بالنسبة للدول الإفريقية، فإن القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون “قرن انتصار الشعوب على آفات التخلف والفقر والإقصاء”.

كما يرى الملك محمد السادس من يومها أن “التطلع إلى إفريقيا متطورة ونشيطة ليس مجرد حلم، بل يمكن أن يكون حقيقة، شريطة الالتزام بالعمل”. وهو ما يتطلب من القارة الإفريقية مواجهة مختلف التحديات التي تهدد استقرارها السياسي وتعيق نموها الاقتصادي والاجتماعي. ويرى خطاب الملك أنه لا يمكن “رفع هذه التحديات إلا من خلال التعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية”. وإفريقيا مطالبة، على هذا الأساس، بالاستفادة من كل الطاقات التي تزخر بها، دون أن تعيش في عزلة عن العالم. مثلما هي مدعوة إلى مضاعفة الشراكات المثمرة مع الدول المتقدمة التي تبدي اهتماما دائما، والتزاما صادقا، وانخراطا ملموسا، من أجل الازدهار الاقتصادي لإفريقيا وتنميتها البشرية.

وفي هذا السياق، أوضح الملك محمد السادس أن لكل بلد مساره الخاص في مجال التنمية، وأن له نموذجه التنموي، بحسب تطوره التاريخي، ورصيده الحضاري، وما يتوفر عليه من طاقات بشرية، وموارد طبيعية، وبحسب خصوصياته السياسية، وخياراته الاقتصادية، وما يواجهه من عراقيل وتحديات. بعدها، أكد جلالته أن النداء الذي يتوجه به اليوم، وهو “نداء إفريقيا”، يراعي ضرورة احترام خصوصيات كل بلد، في مساره الوطني، وإرادته الخاصة، لبناء نموذجه التنموي، “لاسيما بالنسبة للدول النامية، التي ما تزال تعاني من آثار الاستعمار”، تنبهنا الرسالة الملكية. وكان الملك محمد السادس صريحا في مواجهة الأنظمة الاستعمارية، حين استحضر ما خلفه الاستعمار من “أضرار كبيرة للدول التي كانت تخضع لحكمه”، حيث فقد عرقل مسار التنمية بها، لسنوات طويلة، واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، وكرس تغييرا عميقا في عادات وثقافات شعوبها. كما رسخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار.وهنا، حمل الملك هذه الدول الاستعمارية “مسؤولية تاريخية، في الأوضاع الصعبة، والمأساوية أحيانا، التي تعيشها بعض دول الجنوب وخاصة بإفريقيا”.

وبعد كل تلك الآثار السلبية، أعلن الملك محمد السادس، وبكل شجاعة، أنه ليس من حق هذه الدول أن تطالب بلدان الجنوب بتغيير جذري وسريع، وفق منظومة غريبة عن ثقافتها ومبادئها ومقوماتها. “وكأنه لا يمكن تحقيق التنمية إلا حسب نموذج وحيد، هو النموذج الغربي”، يشدد الخطاب الملكي.

“لكن بعض الدول الغربية، التي لم تطلب الإذن من أحد، لاستعمار بلدان الجنوب، بدل تقديم الدعم اللازم لشعوبها، تتمادى في فرض شروط صارمة عليها، تعرقل مسارها الطبيعي نحو التقدم”، فقرة قوية من هذا الخطاب، نختم بها حديثنا في هذا السياق قوة خطاب الملك حول مستقبل إفريقيا، من خلال “نداء إفريقيا” الذي وجهه الملك محمد السادس إلى كل العالم.

وعن علاقة المغرب بإفريقيا كلها، وفي ظل التطورات والمستجدات التي يعرفها هذا الملف، أكد الملك محمد السادس أن  نموذج التعاون الذي يأمله المغرب في مدغشقر يبقى مماثلا لذلك الذي يعمل المغرب على تطويره في عدد من البلدان الإفريقية. ويتحقق هذا من خلال إقامة نموذج للتعاون جنوب- جنوب، يكون قويا ومتضامنا، ويجمع بين عدد كبير من بلدان القارة الإفريقية. على أساس أن “إفريقيا مطالبة اليوم بأن تضع ثقتها في إفريقيا”، كما أكد الملك في خطاب سابق ألقاه في العاصمة الإيفوارية، سنة 2014.

وفي هذا الصدد، أشار الملك إلى أن المغرب بات يتوفر على مشاريع في عدد من بلدان إفريقيا. وحرصا منه على تجسيد هذا النموذج للتعاون الإفريقي، على أرض الواقع، أكد مدى إصراره على “التنقل باستمرار داخل القارة الإفريقية”، معتدا بانتمائه إلى إفريقيا، وبكونه إفريقيا، يشدد الملك محمد السادس في هذا الحديث الصحافي.

وعن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، نبه الملك إلى أن الحضور المغربي في إفريقيا، وبشكل خاص الجولة التي يقوم بها حاليا، وإن كانت “لا تروق للبعض”، على حد قوله، فإن “الكل يعترف بأننا لم ننتظر الإعلان عن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي من أجل العمل والاستثمار في إفريقيا”. وخلص الملك إلى أن جميع الدول، لاسيما في شرق إفريقيا، قد “أجمعوا على دعم إعادة اندماج المغرب في الاتحاد الإفريقي”.

ورغم انسحاب المغرب منظمة الوحدة الإفريقية، ظل المغرب حريصا على وحدة إفريقيا واستقرارها، وعلى أمن واستقرار دولها. وق ظل “يتخذ العديد من المبادرات، من أجل ترسيخ الأمن والاستقرار في إفريقيا، تقول الرسالة الملكية. ويتعلق الأمر، على سبيل المثال، بمساهمته في عمليات حفظ السلم في كوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، وبجهوده في مجال الوساطة بين دول منطقة “نهر مانو”، ومؤخرا في ليبيا، وكذا في عملية إعادة البناء بعد انتهاء الصراع، بكل من غينيا وسييرا ليون ومالي وغينيا بساو.

وقد نبه الملك محمد السادس إلى أنه، وبالرغم من كل هذه الحقائق، “ما تزال بعض الدول تدعي بأن المغرب لا يمكن أن يمثل إفريقيا، لأن معظم سكانه ليسوا سودا”. ليخلص الملك إلى أن “إفريقيا لا يمكن اختزالها في اللون فقط”، على أساس أن التمادي في هذا الطرح إنما ينم عن “جهل بالواقع”، بعبارة الرسالة الملكية.

ليخلص الملك محمد السادس إلى أن المغرب، رغم انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية، فإنه لم يغادر أبدا إفريقيا، وإنما انسحب، سنة 1984، في ظروف خاصة، من إطار مؤسساتي قاري.

وبعودة المغرب اليوم إلى منظمة الاتحاد الإفريقي، يكون قد وضع مسافة إن لم نقل قطيعة مع الماضي، والتوجه نحو الأمام. وهو ما يجعل من هذه العودة دعوة إلى بناء مستقبل آخر جديد للقارة الإفريقية، يلتزم فيها المغرب بأداء أدوار مسؤولة واستثنائية من أجل النهوض بالقارة الإفريقية، مثلما انخرط المغرب في ذلك قبل سنوات من اليوم.

ومقابل ذلك، يرى المغرب أنه قد حان الوقت للابتعاد عن التلاعب وتمويل النزعات الانفصالية، والتوقف عن دعم خلافات تجاوزها الزمن، وذلك بالتوجه لتدعيم خيار واحد، هو خيار التنمية البشرية والمستدامة، ومحاربة الفقر وسوء التغذية، والنهوض بصحة شعوبنا، وبتعليم أطفالنا، والرفع من مستوى عيش الجميع.

ويسجل المغرب أن الرهان الذي يتعين على القارة الإفريقية ربحه اليوم، بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على ميلاد الاتحاد الإفريقي، هو رهان الوحدة والتماسك. على أساس أن إفريقيا، التي طالما تم إهمالها، أصبحت اليوم فاعلا لا يمكن تجاهله. وعلى أساس أنه قد ولى الزمن الذي لم تكن فيه إفريقيا أكثر من مجرد موضوع في العلاقات الدولية. بل إنها صارت قارة تؤكد وجودها، وتتقدم وتتحمل مسؤولياتها على الساحة الدولية، كطرف فاعل وجدير بالاحترام في النقاش الدائر حول الحكامة العالمية.

يمكن أن نلخص موقف المغرب في هذا السياق في معادلة جديدة مفادها أن مغربية الصحراء في إفريقيتها، وأن إفريقيتها في مغربيتها. ومن هذا المنطلق، وفيما يتعلق بقضية الصحراء، فإن إفريقيا المؤسساتية لا يمكنها بعد الآن، أن تتحمل أوزار خطأ تاريخي، وإرث ثقيل، تقول الرسالة الملكية. وقد نبهت الرسالة إلى أن الاتحاد الإفريقي يجد نفسه في وضعية تعارض واضح مع الشرعية الدولية، على أساس أن هذا “الكيان المزعوم” ليس عضوا لا في منظمة الأمم المتحدة، ولا في منظمة التعاون الإسلامي، ولا في جامعة الدول العربية، ولا في أي هيأة أخرى، سواء كانت شبه إقليمية أو إقليمية أو دولية.

تلك هي كرونولوجيا السياسة الجديدة للمغرب تجاه القارة الإفريقية، والتي توجت بعودة قوية إلى المنتظم الإفريقي، بعدما بدأت برسائل قوية وجهها ملك البلاد إلى المنتظم الأممي وإلى كل العالم، وخاصة قوى الاستعمار في القرن الماضي، وهو يبحث عن مستقبل لقارة المستقبل “إفريقيا”، في القرن الحالي.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here