نزار الجليدي‎: الشباب التونسي.. نقطة ارتكاز في التحوّل الديمقراطي

 

نزار الجليدي

تعتبر المشاركة السياسية هي أساس الديمقراطية والتعبير الواضح عن مبدأ سيادة الشعب وتقضى المشاركة السياسية وجود مجموعة بشرية من المواطنين الذين يتوافر لديهم شعور الإنتماء والإهتمام بالشأن العام .

والمشاركة هي أرقي تعبير عن المواطنة التي تمثل من جملة النشاطات التي تساعد على ممارسة السلطة السياسة , ولما كان الشباب في مصر يمثل نسبة كبيرة من إجمالى السكان وهم عنصر فعال وهام من قضايا التنمية وذلك دفعنا أن نؤكد ونلقى الضوء علي المشاركة السياسية بالنسبة للشباب لأن الشباب هم من يملكون الطاقة والقدرة على العطاء وهم ثروة بشرية قادرة على العمل والإنتاج , والشباب هم الحل لكافة مشاكل المجتمع.

تلعب المشاركة السياسية دوراً مهماً في تطوير آليات وقواعد الحكم الديمقراطي، والمشاركة السياسية كمفهوم بات قيد التداول السياسي في الوقت الراهن، وفي إطار ما يعرف ”بالتنمية المستدامة“ للمجتمعات خاصة مجتمعات العالم الثالث التي توصف أنظمتها بالشمولية أو بسيادة المفاهيم المتوارثة على مفاهيم المواطنة والمشاركة في صنع القرار وتحديد النخبة الحاكمة وهي في هذا الإطار ركيزة أساسية من ركائز النظام السياسي لجهة شرعيته الدستورية والشعبية.

تعتبر مشاركة الشباب أحد أشكال الديمقراطية التشاركية، كما أنها إحدى أشكال الحكم الصالح، وهي شكل من أشكال الرقابة الشعبية ،كما أن مشاركة الشباب سيعزز من التنمية السياسية، وتفعيل المشاركة السياسية للشباب سيقلل من حالة الفراغ السياسي التي يعيشها الشباب عبر تهميشهم وعدم الاهتمام بقضاياهم في برامج وأنشطة الأحزاب السياسية ، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في كيفية تفعيل طاقات الشباب وإعادة جذبها إلى الأحزاب والعمل العام، وتفعيل دور المؤسسات الأهلية،وذلك من خلال إعادة صياغة أولوياتها وبرامجها انسجاماً مع الأجندة الوطنية، بما يحقق التكامل في العمل بينها وبين المؤسسات الرسمية.

وإذا كانت قضايا الشباب متعددة ومتنوعة، فإن مسألة المشاركة الشبابية أصبحت موضوع الساعة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، سواء في مجال البحث العلمي أو في ميدان السياسات الموجهة للشباب،وهي على درجة كبيرة من الأهمية، لأنها تتعلق بإطار أشمل هو مشروع الحداثة والبناء الديمقراطي،حيث تتنامى أهمية المشاركة الشبابية في الشأن العام، بوصفها إحدى أهم دعامات المواطنة وديمقراطية المشاركة لدى المجتمعات المعاصرة ، فالمشاركة وبخاصة من جانب الشباب تعد المدخل الحقيقي لتعبئة طاقات الأجيال الصاعدة وتجديد الدماء في شرايين النظام السياسي والاجتماعي للوطن والمساهمة في حركة التنمية المتواصلة.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول أن دماء غزيرة أريقت من أجساد شبابية غضّة في سبيل أن تتحرّر تونس من عقال الاستبداد الذي اكتوت بلهيبه عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر..

ومن هنا،لا أحد في وسعه أن يزايد على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمناً له،ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبدّ جائر، إنما هو من أنجزه..لا أحد إطلاقاً.. فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات في خضمّ المدّ الثوري الذي أطاح برأس النظام مضرّجاً بالعار،ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى ربيع الحرية..تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب..شباب وضع حداً لهزائمنا المتعاقبة..قطع مع كل أشكال الغبن والاستبداد،خلخل حسابات المنطق،جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب،وصنع بالتالي،بدمائه الطاهرة،إشراقات ثورية،قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والاندحار..

ولكن..

لا أحد يتحدّث، اليوم، في تونس عن خطر الانقسام السياسي الذي صنعته نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية(الماضية) بين الشمال والجنوب، وبين الثوار والمستبدّين..ولا أحد يتحدث أيضا عن الانقسام الحقيقي الحادّ بين الشباب الذي أطلق الثورة باسم الحرية وخاضها بصدور عارية،ولم ينل بركاتها وآمالها رغم كل الوعود والأمنيات،وبين الثورجيين الجدد،الذين أفرزتهم الأقدار أثناء المد الثوري الخلاّق الذي شهدته تونس خلال الإشراقات الأولى للثورة..واستفادوا مجانياً من خيراتها..

أقول..مرّت ثمان سنوات ونيف على ثورةٍ حملت معها حلم الانعتاق من واقع القهر والبؤس في تونس،إذ صاغ الشعب،بدماء شيوخه وشبابه،صفحة جديدة من تاريخ تونس الحديث.

ولئن كان النفس الرافض مبهرا في تجلياته الثورية، فإنّ الشغل الشاغل اليوم،هو عن سؤال أي مستقبل ينتظر الثورة،وأي دور للشباب التونسي مستقبلاً سيما ونحن على عتبات انتخابية تفصلها عنها أشهر قليلة؟

لقد استطاعت تونس تحقيق خارطة الطريق التي راهنت عليها القصبة 2،والتي كان الشباب الحاضر الأبرز فيها،فتمّ إنشاء دستور حظي بإجماع نواب المجلس الوطني التأسيسي،وتمّ إنشاء قانون للعدالة الانتقالية ومؤسسات دستورية لحماية مكتسبات الثورة. وتستعد بلادنا خلال هذه الأيام المثقلة بالطموح والأمل-كما أسلفت-لانتخابات تشريعيىة ورئاسية انتخاباً مباشراً.وبذلك يكون مسار البناء رهين اختيارات المجتمع، بصوته الانتخابي وعمله المدني وإبداعه الثقافي والفني،كما إنتاجه العلمي والمعرفي..

ولكن،ما يبعث على القلق،هي النسبة المتدنية لمشاركة الشباب في الاقتراع.وهو ما يرسّخ المخاوف من استمرار الفجوة بين النخب السياسية من جهة،والشباب من جهة ثانية، على الرغم من أن الشباب هم الذين فجّروا الحدث الثوري،لكن خيبة الأمل التي أصيبوا بها بعد ذلك شكّكتهم في أهمية الديمقراطية وجدواها..

وهنا أضيف،كان الشباب التونسي طليعياً في خطوات ملحمة الدم منذ اليوم الأول للحراك الثوري في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010،وصولاً إلى يوم فرار المخلوع في 14 يناير 2011. لكنّه صار الضحية الأولى،بامتياز،لعملية الاستيلاء الممنهج على مفاصل الدولة.

وعندما أقول الشباب، إنما أعني بالقول كل قطاعاته، ممن يناضلون من داخل جامعاتهم ومدارسهم الثانوية،وأولئك الذين استطاعوا بإرادة شبابية فذّة إشعال الأحياء الشعبية والأرياف وهجاً ثورياً، لكنّهم تعرّضوا لحملة تحييد واختزال لدورهم في الحراك الميداني،وجرت محاولات عديدة لاستعمالهم أداة تنفيذية في الجسم الحزبي والخصومات الإعلامية..

في هذا السياق بالتحديد، أكّد البنك الدولي،في السنوات القليلة الماضية، أنّ الشباب التونسي يعانى من ارتفاع معدل البطالة والإحباط، مشيرا إلى أن لديهم حضورا محدودا في عالم السياسة، وما زالوا يواجهون حالة من التجاهل وعدم التشاور المنظّم معهم بشأن القضايا الرئيسية التي تمسهم مباشرة في البلاد.

وأضاف البنك في تقرير جديد صادر بالتعاون مع مركز مرسيليا للاندماج المتوسطى، بحسب وكالة الأناضول،أنّ المواطنة الفعالة والمشاركة المدنية الواسعة بين الشباب التونسي،أمر ضروري لاستمرار الزخم الإيجابي للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد،وتحقيق الاستقرار السياسي.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول أننا اليوم،ونحن على أبواب مرحلة هامة من مراحل بناء ديمقراطيتنا واستدامتها وأيضا على مشارف-كما أشرت-استحقاقات انتخابية قادمة على مهل، يتضح أن الطلاب والشباب المعطّل عن العمل والشباب العامل يأخذ على نفسه مسؤولية ومهامّ متفقة مع رهانات المرحلة،ويعود إلى الساحة الوطنية بنفس جديد،وإرادة في التنظيم والفعل لا يستهان بها،كما أنّه أمام سؤال تشبيك العلاقات والروابط فيما بينه وطنياً،ومع التنظيمات والنقابات الشبابية العالمية..

إنّ الحصن القوي والواقعي لتونس ما بعد الثورة،هو جيل يحمل قيم الحرية والعدالة والكرامة،ويعمل لها وفيها،من خلال مجتمعه وعبر مؤسسات دولته..

وما على النخب السياسية إلا استيعاب الإقبال الشبابي على العمل النقابي والمدني،ومن ثم إشراكه في الحياة السياسية،خدمة للمشروع الديمقراطي والاجتماعي الذي تناضل من أجله التنظيمات الشبابية في تونس ما بعد الثورة..

على سبيل الخاتمة:

إن الثورة التونسية في أصلها ثورة شبابية بامتياز تحمل مضامين اجتماعية ومطالب في الحرية ورغبة في التأسيس لدولة الحقوق والمواطنة غير أن تطورات المشهد السياسي بعدها ورغم الخطوات التي تحققت في المسار الديمقراطي مازالت بعيدة عن تحقيق أهداف الشباب التونسي.. دون أن يعني هذا نفي وجود مبادرات على الأرض لنشاط سياسي شبابي يجد تعبيراته، خاصة في تحركات احتجاجية على الأرض ومطالبات بالحق في التشغيل والدعوة إلى محاربة الفساد، غير أنه يظل من الضروري أن تحاول القوى الحزبية ومنظمات المجتمع المدني وقبل هذا وذاك أجهزة الحكم أن توجد الآليات الضرورية لإدماج الشباب في العمل السياسي، لأن توسع حالة العزوف عن المشاركة قد يفضي إلى نتائج وخيمة كأن يتم استقطاب الشباب لمصلحة الجماعات الإرهابية أو أن يتم تحويلهم إلى رصيد احتياطي للانحراف الاجتماعي، وعلى قادة الأحزاب السياسية إدراك أن الشخصانية والتعنت والرغبة في تصدر المشهد من جانب، وانسداد قنوات التعبير داخل الأحزاب الكبرى، فضلاً عن تشبث القيادات بمواقعها من جانب آخر، هما السببان الجوهريان لحالة الإقصاء غير المعلن للقوى الشبابية في المجتمع التونسي.

إن العمل الحزبي بصورته المثلى يقتضي إيجاد آليات لضمان استمرارية الكيانات السياسية وقدرتها على التجدد الداخلي، ولا يكون هذا بغير بناء جيل شاب قادر على تحمل المسؤوليات بعيداً عن منطق الوصاية التي يفرضها القادة التاريخيون للأحزاب.. إن أزمة المشاركة السياسية للشباب في الأحزاب السياسية التونسية بعد الثورة تكمن في أن هذه الأخيرة لم تصل بعد إلى درجة النضج وفهم معنى الحزب السياسي في بنيته العميقة باعتباره وبالدرجة الأولى مدرسة للتربية السياسية للمواطن.

ولكن..

رغم التعثر والبطء وبعض الإخفاقات الإقتصادية والإجتماعية،لا زالت العملية الديمقراطية الجارية في تونس،التجربة الوحيدة التي تحمِل الأمل في الوصول في نهاية المطاف إلى حكومة ديمقراطية مُنتخَبة قادمة على مهل..

-إعلامي تونسي مقيم بباريس ومحلل سياسي سابق بالقناة الفرنسية france24

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here