نذر تصعيد المواجهة الإيرانية مع الأمريكيين بالعراق والمنطقة

بغداد- الأناضول-مع مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني يكون الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد دخل حقبة جديدة ويصعب التكهن بمساراته، أو رسم صورة لنهايته في المدى المنظور.

تعتقد الإدارة الأمريكية ان اغتيال قاسم سليماني وقادة اخرون سيشكل محاولة لردع ما تسميه الأنشطة الإيرانية “الخبيثة” في سياق الضربات الوقائية الاستباقية لمنع تهديدات “مفترضة” على المصالح والافراد الأمريكيين.

اتهمت الولايات المتحدة قاسم سليماني بالتخطيط لاستهداف المصالح الامريكية في العراق، وانه يقف خلف محاولة اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد يومين من ضربات أمريكية استهدفت خمسة مواقع لكتائب حزب الله العراق في سوريا والعراق في 29 ديسمبر/كانون الأول ردا على مقتل متعاقد أمريكي في قاعدة عسكرية عراقية تستضيف قوات أمريكية قرب مدينة كركوك.

مع غياب أي احتمال لنجاح الجهود الدولية والإقليمية للتهدئة وعدم التصعيد، تجد إيران نفسها ملزمة بالرد العسكري حفاظا على هيبتها واستجابة لرغبات الشعب الإيراني عموما والقوات الحليفة لها في العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطاعات واسعة من شعوب هذه الدول ودول أخرى في المنطقة.

على الرغم من “حتمية” الرد العسكري الإيراني، لكن هذا الرد قد لا يكون بالمستوى الذي يفرض على الولايات المتحدة ردا أكثر حزما، كما تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من تصريح.

من المحتمل ان ترسم إيران استراتيجياتها للرد باتجاهات متعددة تتوافق مع قدراتها في الحاق الأذى بالامريكيين سواء الهجمات الالكترونية أو شن هجمات “إرهابية” تستهدف افرادا ومصالح أمريكية في العراق، ودول المنطقة الأخرى مع احتمالات ان يشمل الرد الداخل الأمريكي.

سبق للولايات المتحدة ان قبضت في العام 2017 على خلية تابعة لوحدة التخطيط للهجمات الخارجية في حزب الله اللبناني المرتبط بالحرس الثوري الايراني تعمل في نيويورك على مراقبة مستودعات أسلحة تابعة للجيش الأمريكي ومكاتب وكالة المخابرات المركزية الامريكية والتحقيقات الفيدرالية ومؤسسات أمريكية أخرى.

ولدى الولايات المتحدة ما يزيد عن 60 الف جنديا في العراق ومنطقة الخليج بالإضافة إلى ثماني قواعد عسكرية في العراق وقواعد أخرى في الكويت والامارات وسلطنة عمان ودولة قطر والبحرين، وتواجد عسكري لمئات الأمريكيين في قاعدة سعودية أو في أكثر من قاعدة.

من الناحية العملياتية، لا تملك الولايات المتحدة ما يكفي من الضمانات لحماية أرواح جنودها وقطعها البحرية وقواعدها العسكرية، باستثناء التلويح بالرد العسكري على اهداف حيوية في العمق الإيراني قد تشكل رادعا لاصحاب القرار في التردد باتخاذ قرار المواجهة التي تدرك إيران ان أي مواجهة عسكرية وفق معايير الحرب النظامية بين الدول سوف تكون لصالح الطرف الأقوى والأكثر تطورا عسكريا وتكنولوجيا، وهو الولايات المتحدة.

لكن إيران “الملزمة” بالرد العسكري على اغتيال قاسم سليماني، “قد” لا تتبنى خيار الرد “الواسع” الذي يستدعي ردا أمريكيا أكبر.

وتتخوف إيران من ان يؤدي الرد الأمريكي الواسع إلى حرمانها من بقايا إيراداتها النفطية، واحتمالات تقويض النظام الذي يتعرض لضغوطات اقتصادية منذ أيار/مايو 2018 وتشديد العقوبات الامريكية ضمن حملة “الضغط القصوى” في أيار/مايو من العام الماضي، بالإضافة إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنفوذ الإيراني في العراق ولبنان.

لكن من المؤكد ان إيران سوف تخوض حربها ضد الولايات المتحدة والدول الحليفة لها من خلال عشرات المجموعات الشيعية المسلحة المرتبطة عقديا بالمرشد الأعلى علي خامنئي، وتنظيميا بالحرس الثوري الإيراني عبر فيلق القدس ذراع الحرس للعمليات الخارجية.

عززت إيران نفوذها خارج حدودها الإقليمية لحماية مصالحها من خلال القوات المحلية الحليفة لها في عدد من دول المنطقة.

هذه القوات الحليفة ستكون بمثابة القوة الإيرانية البديلة لخوض حربها “المحتملة جدا” ضد الولايات المتحدة ومصالحها ومصالح الدول الحليفة لها.

وللحرس الثوري الإيراني نفوذ واسع عسكري وامني وسياسي، وكذلك اقتصادي في العراق ولبنان واليمن وسوريا وأفغانستان ودول اخرى، وفي قطاع غزة أيضا.

من المؤكد ان يكون العراق مسرحا، أو منطلقا لمهاجمة المصالح الامريكية في داخلها أو خارجها.

بعد الضربات الامريكية على مواقع كتائب حزب الله العراق، نجحت الاجنحة السياسية لفصائل منظة بدر وعصائب اهل الحق وكتائب حزب الله العراق وسرايا الخراساني وغيرها من تنظيم حشود كبيرة من عناصرها لمحاصرة السفارة الامريكية ومحاولة اقتحامها بايعاز من الحرس الثوري الإيراني، وفق مسؤولين أمريكيين منهم وزير الخارجية مايك بومبيو.

بالإضافة إلى مقتل قاسم سليماني ومكانته لدى الحشد الشعبي، فان الضربة الامريكية قتلت عددا من القيادات الأخرى، مثل أبو مهدي المهندس القائد الفعلي للحشد الشعبي.

عملية القتل هذه ستستدعي ردا واسع النطاق على القواعد الامريكية في العراق من قبل فصائل الحشد الشعبي.

بعد الإعلان عن مقتل قاسم سليماني التقى المسؤولون الإيرانيون على موقف موحد اجمع على الرد العسكري وفق الخيارات المتاحة امامهم في تحديد الزمان والمكان والاهداف المنتخبة التي تتعدى المصالح الامريكية إلى مصالح الدول الحليفة والشريكة ما يفضي إلى احتمالات اتساع جغرافية الرد والرد المضاد على الأراضي العراقية حيث التواجد الأمريكي الأكبر.

في مقابل التواجد الأمريكي الأكبر على الأراضي العراقية، فان لإيران على الأرض القوة الأكبر سواء العسكرية القتالية من خلال عشرات المجموعات الشيعية المسلحة أو السياسية من خلال الأحزاب والاجنحة السياسية للفصائل المسلحة في الحكومة ومجلس النواب.

لذلك من المتوقع ان تشهد الأيام أو الأسابيع القادمة تصعيدا عسكريا ضد القوات والمصالح الامريكية في العراق، مثل قاعدة عين الأسد وبلد والقيارة وكركوك وغيرها.

وتقدر اعداد الأمريكيين في العراق بأكثر من 11 الفا، معظمهم من العسكريين ومقاولي الشركات الأمنية الخاصة.

قد لا تمتلك إيران المزيد من الخيارات “المريحة” في الرد العسكري على الولايات المتحدة وتجسيد تهديدات اركان النظام بما فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي إلى واقع على الأرض بعد تغيير قواعد الاشتباك في النزاع بينهما بعد اغتيال قاسم سليماني.

ويمكن لإيران الاعتماد على القوات الحليفة لها في العراق ولبنان واليمن وأفغانستان لتوجيه الضربات للولايات المتحدة ومصالحها وقواعدها في البحرين والكويت وقطر والسعودية والامارات وغيرها، وفي العمق الإسرائيلي أيضا.

من بين الأهداف المتوقعة للمجموعات الشيعية الحليفة لإيران، استهداف قواعد ومعسكرات أمريكية في العراق، أو مهاجمة ناقلات نفط في الخليج العربي للولايات المتحدة أو للدول الحليفة لها.

كما تمتلك إيران قدرات مؤكدة على اغلاق جزئي، أو كلي، لمضيق هرمز وتهديد حرية الملاحة البحرية وحركة مرور التجارة الدولية، بالإضافة إلى استهداف منشات النفط السعودية أو شن هجمات الكترونية، والى حد ما في الداخل الأمريكي.

وفي حال اندلعت مواجهات “مفتوحة” بين الولايات المتحدة وإيران فان احتمالات توقفها بعد عدد محدود من الردود المتبادلة، احتمال قائم يستجيب لرغبة طرفي الحرب.

لكن ذلك لا يعني نهاية النزاع في المنطقة التي لابد ان القوات الحليفة لإيران ستواصل استهداف القوات والمصالح الامريكية في عموم المنطقة لعدة سنوات قد تنتهي بانسحاب النسبة الأكبر من القوات الامريكية من المنطقة.

واذا كان “الاستنزاف” هو السمة البارزة في النزاع بين الولايات المتحدة وإيران طيلة سنوات، فان المرحلة المقبلة ستشهد صراعا مفتوحا قد لا تكون إيران طرفا مباشرا فيها انما من خلال القوات الحليفة لها.

وتعتقد الولايات المتحدة ان اغتيال قاسم سليماني سيؤدي إلى تجنيب المنطقة المزيد من عدم الاستقرار الناجم عن نشاطات إيران والقوات الحليفة لها، لكن تلك العملية ستدخل المنطقة بلا شك في دوامة النزاع المسلح وعدم الاستقرار لسنوات قادمة، مع احتمالات خروج النزاع عن السيطرة.

واذا كانت الأراضي العراقية هي الجغرافية “الاكيدة” للنزاع الأكبر بين الولايات المتحدة وإيران، فان احتمالات اتساع جغرافية النزاع إلى الخليج العربي والسعودية تحديدا هو الاحتمال الأرجح في اطار حرب الوكالة التي ستخوضها القوات المحلية الحليفة لإيران ضمن مفهوم جديد باسم “المقاومة الدولية” ضد الولايات المتحدة والدول الحليفة لها.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here