ندوة “الف الابداع” حول الانتفاضتين اللبنانية والجزائرية في بيروت.. فيصل جلول : “ثورة الزومبي” اللبنانية بين الوصول الى المطالب او الانحراف نحو الخراب.. كريم الرازقي: الحراك الجزائري مستمر حتى سقوط اخر رموز عصابة المال المنهوب

 

 

بيروت ــ “راي اليوم” ـ صلاح شهاب:

كيف يمكن وصف الانتفاضات العربية ؟ هل تحمل شبهة حروب الجيل الرابع التي شنتها الولايات المتحدة ضد اعدائها وخصومها في كل مكان ام هي ثورات من اجل الاصلاح؟ هل تتشابه هذه الانتفاضات وبعضها يسمى حراكا؟ ام انها تختلف باختلاف الحالات المعنية؟ الا يحتل الحراك الجزائري والانتفاضة اللبنانية حيزا خاصا جديرا بالتميز واستخلاص الدروس المفيدة ؟ هذه الاسئلة وغيرها كانت محور ندوة نظمتها جمعية “الف الابداع” برئاسة الاستاذ سركيس ابو زيد في قاعة المنتديات في مبنى جريدة النهار في بيروت وشارك فيها الباحث والاعلامي اللبناني المقيم في باريس فيصل جلول والناشط السياسي الجزائري الرازقي كريم. وقدمت للندوة الاعلامية اللبنانية المعروفة ثريا عاصي. تناول كريم الرازقي الحراك الجزائري بوصفه انتفاضة شعب ضد عصابة نهبت “اموال العباد” طيلة عقود من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

واكد على السقف الذي تتحرك تحته الانتفاضة الجزائرية بقوله انها ترفض اي تدخل اجنبي وهذه من خصائص الثقافة السياسية الجزائرية المنبثقة عن ثورة المليون ونصف المليون شهيد. واعتبر ان الجيش الجزائري يحمي وحدة البلاد ومصيرها وهو ليس مستهدفا من الشعب الذي ما برح يطالب رئيس الاركان القايد صالح بتنحية “مخلفات العصابة” في الحكم وتأجيل الانتخابات الرئاسية التي يجب ان تتم في ظل حكومة انتقالية تحظي بثقة الجزائريين وتنقلهم من حكم العصابة الى حكم الشعب الديمقراطي المباشر .

واكد الرازقي ان الجزائريين رفضوا الانتخابات الرئاسية بصيغتها الراهنة والتي ستتم في 12 ديسمبر الجاري معتبرا انها لن تعكس رغبتهم الحقيقية في التغيير والدليل ان حراكهم في الشارع ازداد زخما واتساعا. وتوقف الرازقي مليا عند اعتقال المجاهد الثمانيني سي لخضر بورقعة احد ابرز رموز الانتفاضة الجزائرية معتبرا ان الرجل حرر بلاده من الاستعمار الفرنسي بوصفه القائد العسكري للولاية الرابعة واراد من بعد ان يرسي المجاهدون اسس حكم عادل في خدمة الشعب وليس فئة من المنتفعين من الثورة فكان ان سجن في عهد ما بعد الثورة وظل صوته مرتفعا بعد خروجه من السجن ضد الظلمة ولصوص المال والثروة الجزائرية ويقبع في السجن اليوم رغم بلوغه السابعة والثمانين لكونه ما انفك يصر على مبدئه الاول الذي حمله معه من جبال الجزائر الثائرة وطالب الرازقي السلطات الجزائرية بأطلاق المجاهد بورقعة احتراما لسنه وتاريخه وعدالة مطالبه.

تطرق فيصل جلول للانتفاضة اللبنانية عبر نقاط اربعة تاريخية وجيوسياسية وسوسيولوجية وتقنية وقارنها مع انتفاضة الجزائر ومن ثم رسم فرضية لمستقبلها . في النقطة الاولى اشار الي ظروف تشكل الكيان اللبناني في مطلع القرن العشرين مستشهدا بهتافات تأسيسية نقلها المؤرخ الراحل كمال الصليبي عن انتفاضة المسيحيين اللبنانيين في تلك الفترة ومنها ” .. عيشة بذلة ما نحبا منتظاهر ما منتخبا.. يا منريد الاستقلال يا منرحل عا اوروبا” كانت المنطقة في ذلك تعيش بدايات ما بعد السلطنة العثمانية وكان المسيحيون يريدون بناء وطن يحميهم من التمييز الانساني الذي فرضه العثمانيون عليهم ويريدون لهذا لوطن ان يكون وثيق الصلة بأوروبا المنتصرة خلال الحربين الاولى والثانية.

واكد جلول ان هذا الوطن الذي ضم مسحيين ومسلمين قاوم خلال قرن محاولات التفكيك والتقسيم والاحتلال والالغاء وكانت كل حركاته الداخلية تطرح سؤالا حول مصيره ومنها الحركة الراهنة. في النقطة الثانية اشار جلول الى اهمية وضع الحراك اللبناني في سياق التغيير الجيوسياسي في الشرق الاوسط والمحيط المباشر ل لبنان .ومن بين ملامحه انتقال الشرق الاوسط من النظام الاحادي الامريكي الذي ارتسم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الى ما يشبه نظام القوى المتعددة وهو قيد التشكيل وهذا الانتقال سيعيد رسم الجغرافية السياسية للمنطقة المحيطة بلبنان وهذا ما نعاينه من خلال الدورين المتصاعدين الايراني والتركي وتراجع الدور الاسرائيلي الى حدود غير مسبوقة، فقد حالت طهران وانقرة دون نشؤ دولة كردية مستقلة في اربيل على الضد من الرغبة الاسرائيلية والغربية ولعبت الدولتان دورا مهما في الازمة السورية وتلعبان ادوارا مهمة في لبنان وليبيا واليمن والخليج في حين تتمسك دول الخليج اكثر فاكثر بالتحالف مع الولايات المتحدة وتبحث عن علاقات اقوى مع روسيا والصين .

ان الحراك اللبناني الذي يتم وسط هذه السيرورة سيكون مجبرا سواء قرر المشرفون عليه ام امتنعوا عن ربطه بجغرافية المنطقة السياسية قيد التشكل. وهذا يعني ان الحراك اللبناني ليس محليا في النقطة الثالثة تحدث جلول عن سوسيولوجيا الحراك اللبناني وقال ان الوصف الاقرب اليه هو ثورة “الزومبي” والمقصود بهذا التعبير هو الفئات الاساسية في الحراك التي تضم نخبا خرجت من طوائفها دون ان تقطع حبل السرة معها. والقياس الى الزومبي استخدمه المفكر الفرنسي ايمانيوال تود عندما اشار الى الفرنسي الكاثوليكي الذي يولد ويموت كاثوليكيا لكنه لا يرتبط بالدين المسيحي طيلة حياته .

وفي لبنان نخبة من المسيحيين والمسلمين الزومبي الذين رفضوا طوائفهم وطالبوا من قبل بالزواج المدني والمواطنة الفردية بعيدا عن الطائفية واقامة نظام سياسي غير طائفي وهذا يعني طي صفحة نظام الطائف واستبداله بنظام جديد متلائم مع انبثاق النخبة الزومبية اللبنانية .

مع الاشارة الى ان احزابا طائفية ما زالت ممثلة في الحراك وقد لا تتفق معه في هذا المنحى العلماني الذي سيؤدي بالضرورة الى فصل الدين عن الدولة . و في النقطة الرابعة تحدث جلول عن انتشار الحراك اللبناني واكتسابه زخما كبيرا بفضل تقنيات استخدمت وتستخدم في الجيل الرابع من الحروب ومن بينها الترميز الثوري الذي تحدث عنه جين شارب و الشبكة العنكبوتية وتجميع القوى بلا قائد او قيادة واضحة تشخصن الحراك وتضعفه وفي هذا المجال يشترك الحراك اللبناني مع ظواهر مماثلة عرفناها حلال الربيع العربي. واعتبر جلول ان ما يجمع الحراكين اللبناني والجزائري هو الثورة ضد عصابة من الحكام اللصوص والتطلع الى حكومة عادلة وقضاء نظيف وختم جلول حديثه بالقول ان “ثورة الزومبي ” اللبنانية هي الان في سيارة متوسطة السرعة يمكن ان تصل الى المطالب التي يطرحها اللبنانيون ضد لصوص المال والفساد ويمكن ان يتحكم بها طرف خارجي في لحظة تخلي ” فيقودها الى خراب لبنان واللبنانيين .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here