د. جمال الشلبي: نحو نخب سياسية جديدة “غير مؤدجلة” في العالم!

  • د. جمال الشلبي

من الواضح بأن الشعوب، سواء كانت تعيش في ظل نظم ديموقراطية أو شبه ديموقراطية، لم تعد تثق بالنخب السياسية “التقليدية” اليمينية منها أو اليسارية. لذلك، لا عجب بأن يشهد العالم “الآن” فترة صعود أحزاب وشخصيات وقيادات، خاصة في ظل ما يسمى مرحلة العولمة وسيطرة وسائل الاتصال الاجتماعي، قادمة من مجالات مختلفة باستثناء المجال السياسي والأيديولوجي!

ففي الولايات المتحدة الأمريكية، وصل السيد دانولد ترامب عام 2016 من عالم الأعمال “المتوحش” المُسيطر عليه من جانب التجمعات الصناعات العسكرية والمالية واللوبيات الصهونية، الذي ينظر للعلاقات الدولية وللعالم على أنها مجرد “صقفة تجارية” بعيداً عن العلاقات والمصالح المشتركة للدول والشعوب وتكاملها. وفي عمق أفريقيا، هناك جورج ويا لاعب باريس سان جيرمان الذي تبوأ السلطة في ليبريا عام 2017 بعد فشله في الوصول اليها في انتخابات عام 2005.

 أما في فرنسا، فقد مثل السيد إيمانويل ماكرون دليلاً جديداً على صعود نخب غير مؤدلجة؛ وهو الشخصية التي لم تكن معروفة في الساحة الفرنسية إلا منذ عدة سنوات فقط وبدون “نكهة سياسية” محددة، باستثناء دوره كـ “تقني اقتصادي”، ثم وزيراً في ظل الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسو هولاند عام 2016 بدعم من اللوبي الاقتصادي المالي. وقد توج ماكرون مشواره القصير، في نهاية المطاف، بالوصول إلى قصر الإليزيه عام 2017 كثامن رئيس للجمهورية الخامسة، متجاوزاً كل الزعامات السياسية الفرنسية المعروفة مثل فرانسوا فيو رئيس الوزراء الأسبق والمرشح القوي للرئاسة، والآن جوبية عمدة بوردو، وأقرب الناس لرئيس فرنسا الشهير جاك شيراك، وأخر الديغوليين المخلصين للإرث الديغولي والشيراكي.

 ولا ننسى الحالة التي شكلها السيد سيلفيو بيرلسكوني مالك ناد اي سي ميلانو وشركة فينيست الذي أعطى” إنموذجاً” مبكراً لزحف رجال الأعمال للسلطة، بالاتكاء على دعم بعض الزعامات السياسية التي أشترى “وفائها” لدعمه للوصول إلى رئاسة الوزراء الإيطالية 3 مرات، على الرغم من كل القضايا القضائية والأخلاقية التي لاحقته. وهنا، لا بد من الاعتراف بأن برلسكوني استطاع – رغم كل ما قيل ويقال عنه- من ترك “بصمة سياسية” واضحة المعالم في الساحة السياسية الإيطالية خصوصاً، والأوروبية عموماً أسهمت في تأسيس حزب سياسي مهم في إيطاليا هو ” شعب الحرية” عام 2007.

ماذا يعني كل ذلك ؟ هل يعني سقوط الأيديولوجيا في “امتحانات” الشعوب والمجتمعات الحديثة ؟ أم يعني أن النخب السياسية التقليدية أصبحت مفلسة سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً؟ أو ربما أن العولمة قد أسهمت بكشف “سوأة الأيديولوجيا الحزبية” مما جعلها تتقهقر للخلف مفسحة المجال “للهواة” من مجالات مختلفة أن يحلوا محلها ولو إلى حين ؟؟!

كلها أسئلة مشروعة، وان كانت الإجابات عليها قد تبرز حقيقة أن إدارة العالم بـ “الطريقة القديمة” لم تعد ممكنة، لا سيما في ظل نفوذ وسائل الاتصال والإعلام وانتشارها وتأثيرها على”عقول البشر” في القارات كلها بشكل سهل، ورخيص، ومباشر!

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً هو في معرفة المستفيد من بروز هذه الطبقات السياسية الجديدة” الطارئة” التي بدأت تطفو على السطح على حساب النخب السياسية التقليدية القديمة؟

من الصعوبة بمكان الإجابة بشكل دقيق وسريع على هذا السؤال، وان كان من الواضح بأن “الرأسمالية المتوحشة”، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود “الركب العالمي” في هذا الاتجاه منذ وصول السيد جورج بوش الابن عام 2000 عبر انتخابات ستحكي عنها ويكليكس عام 2050 الشيء الكثير، وصولاُ إلى انتخاب السيد دانولد ترامب عام 2016؛ وما تبوء السيد بوريس جونسن الكاره للعرب والمسلمين والأجانب سدة الحكم في بريطانيا كرئيس وزارء جديد عام 2019، كمثيله الأمريكي ترامب، إلا بداية “التحول” نحو هذه النخب التي من الممكن أن تحكم العالم بـ”غطاء ديموقراطي” مستفيدة من المزاج الشعبي المعادي “للآخر”مسلم كان أم لا، ومن أوضاع اقتصادية صعبة على الجميع في بلاد العالم المختلفة بما فيها دول الشمال ذاتها الصناعية، والغنية، والديموقراطية أيضاً!.

باختصار، يسير العالم وشعوبه هذه اللحظات، كما يبدو، نحو المجهول في ظل هكذا نخب سياسية “غير مؤدجلة” إلا بالقدر الذي يخدم توجهات ومصالح من يوجهها من بعيد أو ربما أقرب مما نتخيل أو نتصور!!

أستاذ العلوم السياسية

والاتصال الدولي في الجامعة الهاشمية الأردنية

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here