نحو سودان ديمقراطي جديد: الحركة الشعبية “تفرض” على العسكر.. الشراكة!

طلال سلمان

تابع المعنيون بمستقبل هذه الامة، وعلى مدار اسابيع طويلة، مسار الاحداث في السودان بعد الانتفاضة الشعبية العارمة التي احتل فيها شبابها وصباياها والكهول، من الوان الطيف السياسي جميعاً، شوارع الخرطوم والخرطوم بحري، والنيلين (الابيض والازرق) لمدة شهرين طويلين او يزيد..

كنت، كغيري من المعنيين، أعيش فرحاً حقيقاً بانتفاضة هذا الشعب الطيب والودود الذي عانى من دكتاتورية العسكر بدل المرة مرات، ولسنوات طويلة ذهبت بحيوية السودانيين ومستقبل جيل او جيلين منهم، وأخرجت هذا البلد عظيم المساحة والذي يمكن أن يعطي من الخير ما يفيض عن حاجة اهله، من دائرة الفعل، وحولت حاكمه الذي “قامر” بالعلاقات المجزية مع الدول الغنية، حتى جاءت “ساعة الحقيقة” فإذا الكل يتخلى عنه ويتركه لمصيره.

..على انني، كغيري، كنت اتخوف من أن يتشبث الجيش بالسلطة، وان يعاود ضباطه سيرة الدكتاتورية، مرة أخرى، غير متهيبين او متخوفين من الجماهير المليونية التي لم تتعب من ملء الشارع ، ليلاً نهاراً من دون احتكاك للعسكر..

وذات مساء ضاق صدر العسكر بهذه الجماهير الغاضبة والتي تطالب بحقها الشرعي في أن يكون الشعب مصدر السلطة فعلاً، وصاحب القرار في شؤون الوطن ومستقبل اجياله.. فإذا “ببعض” الجنود يطلقون النار على الجماهير، في الخرطوم ـ بحري، فيسقط اكثر من خمسين شهيداً، اضافة إلى العديد من الجرحى، فضلاً عن الخسائر المادية..

عاد الشعب إلى الشارع… وتزيدات اسفار ضباط الانقلاب الجديد: بعضهم قصد القاهرة، والتقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فازداد قلق السودانيين، وبعضهم قصد مكة المكرمة للمشاركة في قمم اليوم الواحد التي حاولت القول أن السعودية هي الآن المرجع الوحيد للعرب والمسلمين (ولو بمشاركة محدودة مع دولة الشيخ محمد بن زايد في ابو ظبي، الذي يبدو انه شديد التأثير على ولي عهد السعودية الامير محمد بن سلمان..)

عاد الشعب الطيب إلى الشارع، وقد ارتفعت وتيرة غضبه، ورفض العروض التي قدمها الجيش عبر الوساطة الاثيوبية ـ الافريقية.

أخيراً اضطر العسكر إلى قبول مطالب شعب السودان، ولو بحدها الادنى: أن يستعيد قراره الوطني في شؤون بلاده، في ظل انتخابات ديمقراطية تنتج نظاماً جديداً، مع حفظ كرامة الجيش، بوصفه شريكاً وطنياً.

وبرغم توقيع وثيقة الشراكة في السلطة، خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لإعادة بناء النظام الديمقراطي بالانتخابات، فان شعب السودان لن يطعن في ارادته مرة جديدة..

لقد آن لهذا الشعب الطيب، المسالم، والديمقراطي، أن يعيش حياة تليق به، بعد دهور الاضطهاد والقمع التي فرضت عليه فخسر خلالها الكثير من كوادره المؤهلة لقيادة ثورة صناعية ـ زراعية في السودان الغني بكفاءاته كما بالمياه التي تجعلها من ارضه منجماً للذهب.. لكل الوانه!

كاتب ورئيس تحرير وناشر صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ان ما يجري الان في السودان لا يمكن فصله مطلقا عما جرى على جماعة الاخوان المسلمين في مصر وتركيا وقطر, حيث توالت الاحداث وبشكل دراماتيكي غير بريئ بالاطاحة أولا بالرئيس السيسي ثم بمحاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس اردوغان وتبعها حصار دول التعاون لدولة قطر, والان جاء دور السودان والبشير…. هل انه قرار امريكي بازاحة الاسلاميين عن ساحة السياسية العالمية ؟ ربما هذا ضروري تمهيدا لمشروع لاحق في الشرق الاوسط, وحذاري أن يكون هدفه هذه المرة هو تخلية الساحة أمام القوميين العرب لتعويمهم واستثمارهم بعد أن فشلوا في استثمار السلفية الجهادية, ودائما على طريق افتعال الازمات وازاحة كل الامم والكيانات من طريق زعامة الولايات المتحدة للعالم, وأعني هنا ايران ومحور الممانعة.

  2. المؤشر مازال في حكم التمني وان من الصعب الخروج من مربع ثورة العسكر واو عسكرة الثورة التي بدت تأخذ ابعادها مدا وجزرا؟؟ وماسهى عليك استاذ طلال ان السودان “سلّة الغذاء العربي” ؟؟؟ومازاد الأبعد بعدا تّدخل مصدري الهامبرجر والكنتاكي(الغرب المتصهين) ووكلائهم في المنطقة من بني جلدتنا ربع النفط ومال السحت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟حما الله السودان وشعبه الجلد الصبور وان ضاق الأفق فهو الشجاع الجسور؟؟؟؟؟؟؟
    ومن يتق الله يجعل له مخرجا”

  3. لقد آن لهذه المسرحية الطويلة جداً و المملّة كثيراً التي تجري في الشارع السوداني والتي يتقاسم أدوار البطولة فريقان الاول يرتدي الزي العسكري وهو يمثل فريق الاميركان ويمثلهم مصر والسعودية والامارات , والفريق الآخر يرتدي الزي الشعبي السوداني وهو يمثل فريق تركيا وقطر ويمثلهم الاخوان المسلمون , والجمهور الغفور والذي يمثل بقية الشعب السوداني والذي لا يدري مايجري لكنه يصفق أحياناً بلا حماس ويصمت أحيانا بلا اكتراث والغالبية نائمة والخاتمة غائمة !!!.

  4. مازال المشوار طويل وطويل جدا ومسافة الخلف مابين الامنيات والغايات والقول والعمل من الديمقرطيه والحياة المدنيه . ازماتنا كما وصف شوقي ( ولا السودان داما ) وحللها محمد عابد الجابري (الغنيمه والقبيله ) هي هي الى مابعد ثلاثة او خمسة عقود ان احسنا الظن والتفكير والقول والعمل .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here