“نجيب محفوظ بين الرواية والفيلم”.. رؤية جديدة

najeeb-mahfouth.jpg88

القاهرة/ يوسف أحمد / الأناضول: أكثر من عشرين كتابا بالعربية، وعشرات (ربما مئات) من المقالات والدراسات التي تعرضت لدراسة نجيب محفوظ في وجهه السينمائي، كل من مدخله وزاوية اختياره، ومنها ما قارن بين أعماله المكتوبة والمرئية في جانب أو أكثر من عناصرها الفنية.

 ولعل جمهور ومحبي سينما نجيب محفوظ يعلم أن الأفلام، التي تحمل توقيع أديب نوبل، قسمان: أولهما الأفلام التي كتب لها القصة أو السيناريو أو هما معًا بمجموع (25 فيلمًا). ومنها أفلام أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية مثل: «لك يوم يا ظالم»، و«ريا وسكينة»، «شباب امرأة»، و«الفتوة» إخراج صـلاح أبـو سيف، و«درب المهابيل» إخراج توفيق صالح، و«إحنا التلامذة» إخراج عاطف سالم.

أما القسم الثاني، فيتمثل في الأفلام المأخوذة مباشرة عن أعماله الأدبية بمجموع (39 فيلمًا)، ولعل هذا القسم هو الأكثر أهمية رغم المكانة التي تحتلها بعض أفلام القسم الأول.

 وقد يرجع ذلك في رأي النقاد إلى أن الفترة الزمنية التي شغلها كانت هي الأطول، وأفلامه هي الأكثر، ومنها تميز العدد الأكبر، بالإضافة إلى أنها أكَّدَت ملامح بصمة نجيب محفوظ في السينما المصرية، كما حققت تزاوجًا كثيفًا بين الأدب والسينما، عاد عليهما وعلى الثقافة العربية بالفائدة.

عن هذه الأفلام المستمَدَّة من أدب نجيب محفوظ، تأتي هذه الدراسة التي يقدمها الناقد السينمائي سامح فتحي، في كتابه الصادر مؤخرًا عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة بعنوان «نجيب محفوظ بين الرواية والفيلم»، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله في الثلاثين من أغسطس/آب 2006.

 ينطلق المؤلف في كتابه من الوعي بطبيعة العلاقة أو التداخل بين العمل الروائي والعمل السينمائي؛ فعند النظر إلى كل منهما “نجدهما طبيعتين منفصلتين، لكل منهما أسسه وأجواؤه وحيثياته وبنيته الفنية الخاصة به، لكن في الأخير ثمة علاقة فنية بينهما؛ إذ إن الكلمات تتحول على يد السيناريست والمخرج إلى صور نابضة حية، ويتحول الفن الروائي المقروء إلى فن مرئي ومسموع على شكل لقطات سينمائية موحية ومؤثرة”.

 ويرى المؤلف أن الرواية المكتوبة قد يقرأها ألف قارئ أو اثنين أو ثلاثة، بينما الفيلم الذي يتم صنعه عن نفس الرواية من الممكن أن يشاهده عشرات الآلاف من المشاهدين (وفي أحيان ملايين). ولكن الرواية تتغير، بطبيعة الحال، عندما تتحول إلى “فيلم”، وهذا يتوقف على رؤية المخرج وكاتب السيناريو.

معظم روايات نجيب محفوظ تم تحويلها إلى أعمال سينمائية، سعى هذا الكتاب إلى حصرها واستقصائها، وطمح مؤلفه إلى تقديم “رؤية” نجيب محفوظ الروائية، في موازاة الكشف عن “رؤية” المخرج وكاتب السيناريو للعمل من الوجهة السينمائية، مع الحرص على تقديم العملين بصورة تقريبية تامة للقارئ، مستهدفا من ذلك “أنّ من لم يقرأ الرواية أو يشاهد الفيلم يستطيع عقب الانتهاء من قراءة الكتاب أن يتخيلهما جيدا، ويقتربان من ذهنه، وكأنه قرأ الرواية أو شاهد الفيلم”.

وفي سياق الحديث عن الرواية والفيلم لدى نجيب محفوظ لابد من الإشارة إلى مبدأ جوهري كان يعتمده نجيب محفوظ في كل ما تم تحويله من أعمال روائية إلى أفلام، وهو انحصار مسؤوليته الفنية ككاتب في حدود عمله الروائي، بكل جمالياته وتقنياته التي تختلف عن أي فن آخر، فإبداعه في الرواية خالص له، أما الروايات التي تم تحويلها إلى سيناريوهات وأفلام فكان يقف منها موقفا محايدا تماما، ويعتبر أنها أعمال جديدة مسؤوليتها بالكامل تخص أصحابها (صناع الفيلم)، يشير مؤلف الكتاب.

وحينما كان يسأل نجيب محفوظ عن رأيه في تحويل أعماله الروائية والقصصية إلى سيناريوهات أفلام أو مسلسلات، ومدى قبوله أو رفضه لإجراء تغييرات على نصه الأصلي.. كان يجيب بوضوح وحسم بأنه مسؤول فقط عن نصه المكتوب، وليس له أن يتدخل في عمل كاتب السيناريو أو المخرج؛ معتبرًا أن هذا الفيلم أو المسلسل أو أيًّا ما كان الوسيط الذي يستلهم عمله الروائي “عمل فني” مستقل له شروطه وأدواته وهو مسؤولية صانعيه بالكامل، كما كان يرى أن الرواية شيء مستقل تمامًا عن الفيلم والمسلسل؛ فهما عملان فنيان منفصلان لكل منهما رؤيته وشروطه واستقلاليته الكاملة.

كما حرص مؤلف الكتاب على تقديم لمحة عامة من النقد الروائي، عقب التعرض لكل رواية، ثم تقديم العمل السينمائي المأخوذ عنها، وتقديم أبرز الاختلافات بين العمل الروائي والعمل السينمائي، وأسباب تلك الاختلافات ما أمكن ذلك، مع تحليل العمل السينمائي تحليلا يقدم من خلاله وجهة نظره الخاصة، وأيضا طريقة تقديمه وبعض عناصره الفنية.

وبالجملة، فإن الكتاب بهذه المنهجية التحليلية، واعتمادها على آلية المقارنة بين فنين مختلفين كل منهما له جمالياته الخاصة، المنهجية التي فرضها مؤلفه على نفسه، يطمح إلى ما هو أبعد من المقارنة بين صورتين لأعمال محفوظ؛ الصورة المكتوبة (الروايات)، والصورة المرئية (الأفلام)، إنه يريد أن يكون مدخلا للتعرف على إبداع محفوظ بصفة عامة، ومحرضا على قراءته ومشاهدته معا من جديد، هو هنا بهذا المعنى يندرج تحت فئة “الكتب المفاتيح” أو “كتب المداخل”.

ومرت، أمس، الذكرى العاشرة على رحيل الأديب المصري الأشهر نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس/آب 2006، وهو أول عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب 1988، وتدور أحداث جميع رواياته في مصر، من أشهرها الثلاثية (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية) و”أولاد حارتنا” التي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها؛ بدعوى تناولها الذات الإلهية قبل أن تنشر أواخر 2006، وهو أكثر أديب عربي حولت أعماله إلى السينما والتلفزيون.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here