نجحت الصين في تحويل الأزمات إلى فرص.. فهل تنجح في مواجهة تحدي فيروس كورونا؟ أم أنها ستكون السبب في إندلاع أزمة اقتصادية ومالية عابرة للحدود؟

 

د. طارق ليساوي

بلغ عدد ضحايا فيروس “كورونا الجديد” في الصين، إلى حدود يوم الأمس نحو 491 وفاة و24 ألفا و324 إصابة مؤكدة، بحسب التقرير اليومي للجنة الوطنية للصحة بالصين، الذي يرصد الوضع الوبائي للفيروس، وأشار ذات التقرير، إلى أن حوالي ثلاثة آلاف و219 من المصابين في “حالة حرجة”، بينما يشتبه في إصابة 23 ألفا و260 شخصا بهذا الفيروس.. و خلال اليومين الماضيين فقط تم تسجيل أزيد من 3 آلاف و887 إصابة مؤكدة، و65 حالة وفاة معظمعها في مقاطعة هوبي (شرق الصين).. وقد تم الكشف عن  الفيروس لأول مرة في الصين في 12 كانون الأول الماضي بمدينة ووهان …

و لن نحاول في هذا المقال التعرض للأثار الصحية لهذا الفيروس، فذلك ليس في نطاق تخصصنا..و لكن بالاعتماد على ما يقوله خبراء الصحة فإن غسل الأجزاء المكشوفة من الجسد جيدا، يساهم إلى حدود 80 في المائة من تقليص فرص انتقال العدوى، لذلك فالمسلم الذي يتوضأ خمس مرات في اليوم، فإنه يحصن نفسه من العدوى، و صدق الله تعالى عندما قرن الصلاة بالوضوء، وجعل الصلاة تطهيرا للروح و الوضوء تطهيرا للجسد من أذرانه، و صدق رسول الله محمد عليه السلام عندما قال “النظافة من الإيمان”…

وخطورة الفيروس تتجاوز نطاق الاجراءات والتأثيرات الصحية إلى مجالات أوسع، إذ يُخشى  أن تتحول  هذه الأزمة الصحية إلى أزمة اقتصادية عالمية لا تقل خطورة عن الأزمة المالية لعام  2008 ، خاصة مع إلغاء رحلات جوية عديدة من وإلى الصين، ووقف أنشطة صناعية وتجارية وسياحية عابرة للحدود و هو ما سنحاول توضيحه في هذا المقال…

أولا- الصين و تراكم الأزمات العابرة للحدود:

الصين كانت منذ 2003 مصدرا للعديد من الفيروسات و في مقدمتها فيروس “سارس” ، وقد تمنكت البلاد من مواجهة تأثيراته و القضاء عليه، لكن الفيروس الجديد جاء في فترة حرجة من تاريخ الصين، شهدت فيها البلاد أزمات داخلية وخارجية لا يمكن تجاهلها، و من ذلك الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، و العقوبات و الحصار الذي تعرضت لها شركة “هواوي” الصينية و حينما أدرجتها وزارة التجارة الأمريكية، على ما يسمى “القائمة السوداء”، في يونيو الماضي والتضييق على شركة zte.. و أزمة مسلمي الإيجور التي كانت حديث العالم، في نهاية أكتوبر الماضي، حينما نددت 23 بلدا في لجنة الأمم المتحدة للشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية بعمليات احتجاز جماعية وجهود للحد من ممارسة الشعائر الدينية ومراقبة كثيفة وغير متكافئة لمسلمي الإيغور ..

لكن التأثير الأبرز و الأخطر للفيروس هو نجاحه في خلق حالة هلع من الصين و الصينين، فقد سجلت العديد من السفارات الصينية عبر العالم ،و لاسيما في بلدان غربية حالات سوء معاملة لمواطنين صينيين، كما أصبحت علامة “صنع في الصين” مصدر قلق للعديد من المستهلكين عبر العالم، و هو ما سيكون له أثار سلبية على الإقتصاد الصيني و العالمي..

ثانيا- التأثيرات الاقتصادية لفيروس كورونا:

العولمة بقدر ما ولدت فرصا للبلدان والشعوب، إلا أنها أفرزت جملة من السلبيات و الآثار العابرة للحدود و من ذلك عولمة الأزمات و الأوبئة و الإرهاب و التأثيرات المالية و الاقتصادية، فانتشار وباء في بلد من البلدان يفرز حالة من الذعر في بلدان أخرى، وكيف الحال إذا كان الوباء بالصين “مصنع العالم”، فلايكاد بيت من البيوت عبر مختلف بقاع المعمورة، يخلوا من منتجات صنعت بالصين أو أحد مدخلاتها صنع بالصين، هذا الوضع أفاد الصين و مكنها من تحقيق نمو وإزدهار إقتصادي امتد لنحو أربع عقود، وتمكنت الصين من مواجهة أزمات مالية و إقتصادية خطيرة، ومن ذلك الأزمة الأسيوية لعام 1979 و الأزمة المالية لعام 2008 و ونجحت في تحويل المخاطر إلى فرص فهل تنجح في مواجهة تحدي فيروس كورونا..؟ أم أنها ستكون القاعدة والسبب في إندلاع أزمة اقتصادية و مالية عالمية؟

بحسب البيانات الأولية من المتوقع  أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الصيني في الربع الأول من العام الجاري، بنحو 6 في المئة ،عن وتيرته في الربع الأول من عام 2019…و درجة التباطؤ في النمو مرتبطة بالتدابير المالية والنقدية التي ستتخذها الحكومة الصينية، فمن المؤكد أن حالة الهلع و استمرار توسع الفيروس و انتشاره ، ستضر بالشركات العاملة في الصين، كما أن الإجراءات الاحترازية المتخذة من قبل باقي البلدان، لها تأثير مباشر على الشركات العاملة في الصين أو التي تعتمد على مدخلات مصدرها الصين، فالحكومة الصينية مطالبة بشكل عاجل توفير الدعم الائتماني للشركات المتضررة بشدة من الوباء و منعها من الانهيار ، خاصة و أن مديونية الشركات الصينية جد مرتفعة…

كما أن اعتماد الاقتصاد الصيني على السياحة و السفر سيجعل من قطاع السياحة الصينية من بين  الجهات الأكثر تضررا من الأزمة التي تضرب البلاد ، فحالة الهلع الدولي من  فيروس “كورونا” ستؤثر بشكل كبير على انتقال السياح من وإلى الصين، كما أن  الصادرات الصينية ستتأثر سالبا من استمرار انتشار و تمدد الوباء، خاصة الصادرات ذات الصلة بالسلع الغذائية والمنتجات الزراعية، فالدول التي تستورد منتجات صينية  ستشدد إجراءات المراقبة و ستتخذ إجراءات احترازية مشددة بسبب المخاوف من انتقال  الفيروس، وهو ما سيأثر سلبا على الأداء الاقتصادي للصين و للإقتصاد العالمي، بفعل حالة التشابك بين الاقتصادين، خاصة و أن الاقتصاد الصيني لازال لم يتعافى من حالة الانكماش و تباطؤ النمو بفعل تأثير  الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، و بفعل الأثار السلبية للأزمة المالية لعام 2008 و ما صاحبها من ركود في أهم الإقتصاديات الغربية…

 و تضرر الاقتصاد الصيني سيؤدي حتما إلى صدمة في الأسواق العالمية بفعل تشابك العلاقات المالية و التجارية و سلاسل التوريد، و إذا كانت هذه الآثار غير بادية المعالم في الوقت الراهن ، لكن إستمرار انتشار الوباء في الصين و بلدان أخرى سيؤدي إلى مزيد من تدهور الأوضاع المالية والاقتصادية الدولية ، و لا أحد من البلدان بعيد عن تأثير الأزمة، فالعولمة بقدر ما لها  إيجابيات لها سلبيات ، و في البلدان الهشة و الضعيفة سياسيا و اقتصاديا لا تجني من العولمة إلا الطالح، أما الصالح فمن نصيب البلدان والحكومات القوية، ومن دون شك أن الصين واحدة من هذه البلدان القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون …

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي.. أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here