نبيل بكاني: هي سابقة عربيا عندما تصف قناة مغربية فدائيا فلسطينيا بالـ”إرهابي” فهل غدا ستسمي شيوخ المقاومة المغربية بالإرهابيين؟.. نيوزلندا البلد الصغير يعطي دروسا كبيرة من رئيس وزراء تصلي على رسول المسلمين وتلاوة القران في البرلمان إلى عصابات تحمي المساجد.. محاكمة الناشطات السعوديات وتناقضات “ليبرالية” الأمير

نبيل بكاني

في وقت أخذ فيه التطبيع مع إسرائيل شكل الموضة، أو الصرعة الدارجة، هذه الأيام، في المنطقة العربية، وفي زمن الانتكاسة والنكبة الجديدة، إذ في هذا “الزمان الصغير” كما سماه مارسيل خليفة في إحدى أغنياته النضالية، أصبح التغزل بإسرائيل والتهليل لها، من علامات الانفتاح والتمدن والتعايش، كما يُخيل لبعض العرب، وهم ولله الحمد، قلة قليلة، وفي زمن تشتد فيه ذراع المقاومة وتزداد ضراوة، كمثال على ذلك، العمليات النوعية والذكية التي تقوم بها حماس، أو مسيرات العودة السلمية المتواصلة، أو من خلال هجمات انفرادية غير مخطط لها، كالعمل الفدائي الذي قام به الشاب الفلسطيني بهجومه على جندي إسرائيلي قرب إحدى المستوطنات، حيث تمكن من السيطرة على سلاحه وقتله على الفور، وفق ما تداولته وسائل الإعلام.

وكالعادة، مثل هذه العمليات الشجاعة، وكما دأبت وسائل الإعلام العربية، تتعامل معها بما يتوافق مع الشعور العربي العام، ومن خلال المواقف الرسمية لدول الجامعة العربية وأعضاء لجنة القدس، وهي مواقف تعتبر الوجود الإسرائيلي، احتلالا فاقد للشرعية والسلاح الفلسطيني مقاومة مشروعة.

في هذا الوقت الحساس، حدثت واقعة غريبة على الإعلام العربي، والتي شكلت مادة دسمة للصحافة هذه الأيام، ويتعلق الأمر بخروج قناة شبه عمومية مقرها في المغرب، عن هذا الصف المعتاد، لتنشر على موقعها الرسمي تقريرا صحفيا، جاء معاكسا لكل ما تعارفت عليه وسائل الإعلام العربية منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، ودون مراعاة لحساسية القضية الفلسطينية ومكانتها في قلوب كل العرب والمسلمين وجزء مهم من المسيحيين أيضا، وصفت قناة “ميدي 1” المغربية الهجوم بالعمل الإرهابي، في تقرير عنونته بـ”فلسطيني يقتل إسرائيليا في هجوم + إرهابي+ بالضفة الغربية المحتلة”، وهي سابقة من نوعها في وسيلة إعلامية سواء حكومية أو خاصة في المغرب.

القناة سارعت إلى حذف الخبر، خلال ظرف وجيز، بعدما أثار ذلك موجة استياء عارمة على شبكات التواصل، لكن دون أن تُلزم نفسها نشر اعتذار على هذا الخطأ الفادح. هذا طبعا إذا سلمنا بأن الأمر ناتج عن خطأ في التقدير أو عدم انتباه، فعندما يُصبح الجندي الذي يُنفذ سياسة الاحتلال العنصرية ويقف حاميا لمستوطنة غير مشروعة، وحاملا رشاشا لا يتردد في توجيه إلى طفل أو امرأة أو شيخ أعزل، يصبح ضحية، وعندما يتحول صاحب الأرض والحق والمدافع المقاوم للاحتلال إرهابيا، فهنا وجب تذكير هذه القناة التي تمتنع لحد الساعة عن تقديم اعتذار على خطيئتها الفادحة، أن المغرب لازال يكرم في كل سنة بمناسبة الاستقلال، جنود جيش التحرير وشيوخ وقدامى مقاوميه. فهل ستطلع علينا يوما هذه القناة المزدوجة اللغة (فرنسية/ عربية) لتصف عملية الفدائي الشهيد علال بن عبد الله، بالإرهابية أيضا، والذي ضحى بنفسه وهو يقفز في موكب الملك “الفرنسي” محمد بن عرفة، إلى السيارة المكشوفة، محاولا قتل السلطان العلوي الذي قبل على نفسه خلافة السلطان الشرعي محمد الخامس، وهي واقعة تعد مفصلية في تاريخ المقاومة في المغرب، فهل نتوقع إذن، تكرار مثل هذه السقطات غدا، من إعلام مفتقد لسياسة تحريرية لمواقف البلاد الرسمية، خاصة أن جزء كبير من هذه القناة مملوك للحكومة.

***

أبانت رئيسة الوزراء النيوزلندية، جاسيندا أرديرن، عن موقف إنساني رفيع، عندما سارعت إلى مواساة أهالي ضحايا العمل الإرهابي الذي خلف عشرات الشهداء داخل مسجدين في هجوم هز مشاعر العالم، وهي ترتدي لباس الحداد، وقد ظهرت تُعانق ذوي الضحايا، وفي آخر جمعة وخلال تأبين الشهداء، ودون تردد، استشهدت بحديث نبوي شريف، وهي تسمي النبي الأكرم، بـ”الرسول صلى الله عليه وسلم”.

ليس موقف المسئولة الحكومية وحده خلف ردود ايجابية، في وقت تتصاعد فيه موجة اليمين المتطرف والشعبويين في عدة دول غربية، ممن دأبوا على الاستغلال البشع لأي واقعة عرقية، بل إن افتتاح أولى جلسات البرلمان بعد أسبوع على الهجوم، بتلاوة القرآن الكريم، هو الآخر يعكس رُقي المجتمع النيوزلندي وقيم الإنسانية التي تتركز بشكل أكبر في المجتمعات الصغيرة في أوروبا والجزر المجاورة لها، بشكل أكبر مما هي عليه في المجتمعات والدول الكبرى في الغرب، ويزداد هذا الشعور الإنساني الطيب، عندما يكسر زعماء إحدى العصابات تلك الصورة التقليدية التي تختزلهم في أعمال الشر، بعدما أعلنت إحدى العصابات دعمها لمرتادي المساجد يوم الجمعة، واصفة إياهم بإخواننا المسلمين، قبل أن تنظم إليهم عصابات أخرى في نيوزلندا.

هكذا، أعطت نيوزلندا، ذلك البلد الصغير، درسا كبيرا لبلدان أوروبية وأميركية من ذوات التوجه الغربي الليبرالي، تعتقد أنها دول كبيرة، بينما القيمة الفعلية لحجم البلد لا تختزل في مساحته أو تعداد سكانه أو في قدراته، عسكريا واقتصاديا، وإنما في مدى ترابط مواقفه الرسمية مع مشاعر الإنسانية وقيمها الرفيعة.

***

بعدما لم يتردد مسئولون عدة، في الحكومة السعودية، بتوجيه التهم الثقيلة لهن، بما فيها تقويض أمن الدولة والتخابر مع كيانات خارجية، فيما وصفهن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بالخائنات والعميلات، كشفت هيومن رايتس ووتش أن لائحة الاتهام للناشطات السعوديات في مجال حقوق الإنسان، المعتقلات منذ مدة، لا تتضمن اتهامات بالعمالة أو التجسس لصالح دول أخرى، وأن الرياض تحاكمهن بسبب تواصلهن مع هيئات حقوقية وإعلامية ودبلوماسية أجنبية.

لقد أظهرت قضية الناشطات السعوديات الموقوفات منذ عام، وجها لأقوى تناقضات مملكة ولي العهد محمد بن سلمان، الجديدة، إذ أن الأمير “الليبرالي” الذي لم يتردد منذ ولايته للعهد، في فتح أبواب المملكة على مصاريعها للحداثة، في قفزة غير مسبوقة، قسم من هذه الحداثة يحمل الكثير من الايجابيات وقسم آخر فيه تسرع كبير غير محسوب وغير مضمون التداعيات، بالموازاة مع ذلك نجد أن مجموعة من النسوة يحاكمن لأتفه الأسباب، كمطالبتهن بقيادة السيارة وبعض الحقوق النسائية العادية والمشروعة والتي لا تتعارض مع قيم المجتمع، هذا في وقت نرى فيه صالات السينما وأندية المصارعة بأجساد رجالية شبه عارية تشرع أبوابها، وسهرات غنائية هنا وحفلات راقصة هناك، والمفاجآت مازالت في الطريق…

صحفي وكاتب مغربي

facebook.com/nabil.bakani

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. أنا أؤكد أن أغلبية الغربيين يشبهون السيدة آردرن رئيسة وزراء نيوزيلندا، يحترمون البشر من كافة الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم ولا يترددون بالتشبه بهم، ويكرهون العنف والدم والمجازر.

  2. انت تعرف اكثر من غيرك يا استاذ نبيل ان الغالبية العظمى من الشعب المغربي يقاطعون تلك الاداعة سيئة الذكر لانها تنشر مسلسلات الرذيلة وتساهم في تفسخ المجتمع المغربي وهناك صفحات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لمقاطعتها كما انك تعرف السياق التاريخي الذي احدثت فيه القناة وتعرف انها فرضت على الشعب المغربي بعد افلاسها وان تمويلها يتم من خلال الضريبة غير القانونية المضافة لفاتورة الكهرباء لكن ليعلم الجميع ان الشعب المغربي على عهد القضية الفلسطينية باق وانه يعتبرها قضيته الاولى الى جانب قضية الصحراء المغربية ومهما حاول المطبعون غوايتنا فلن يفلحوا في ذلك وكما اشاد عمرو بن كلثوم بشجاعة رضيعهم فنحن المغاربة نشيد بطفلنا الذي لم يتجاوز عمره عام ونصف والذي يحفظ جميع عواصم العالم باستثناء عاصمة “اسرائيل” لانه لايعترف بوجود دولة اسمها اسرائيل كما انني شخصيا اغرس في وجدان ابنائي انه لا وجود لدولة اسمها اسرائيل بل هناك دولة فلسطين المحتلة من النهر الى البحر فك الله اسرها

  3. .
    — اسأل بكل تجرد ، لو كان القاتل قد استهدف كنيسه وقتل خمسون من المصلين كيف ستكون مشاعرنا تجاه القتلى والجرحى وأهاليهم ، هل ستكون ذات المشاعر التي رأيناها من شعب وقيادات نيوزيلاندا تجاه الشهداء والجرحى المسلمين .
    .
    — المفترض هو ان تكون كذلك لكن الواقع هو انه لن نفعل وان فعلنا فسيكون النذر اليسير لان قلوبنا قد قست ، مما يعني اننا ابتعدنا كثيرا عن جوهر رساله رب يصف نفسه بالرحمن الرحيم قبل اي تلاوه لآياته .
    .
    .
    .

  4. المغاربة يا أستاذ نبيل يعتبرون القضية الفلسطينية قضية وطنية مغربية ..لذلك نحن مع فلسطين قلبا و قالبا ..ومع فلسطين ظالمة أو مظلومة…و الشعب المغربي هو الشعب العربي الذي يخرج بالملايين كلما تعلق الأمر بفلسطين .
    و لذلك هذه القناة المشبوهة المفرنسة التي لا يشاهدها أحد لا تعبر إلا عن نفسها …و لهذا نردد كما ردد شاعر المقاومة : علقونا على جدائل النخلة و اشنقونا فلن نخون النخلة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here