نبيل بكاني: القبلة الساخنة بين لاعبي الوداد المغربي وهدف الموت وعندما تشتعل شبكات التواصل لتحريف الأنظار.. قبر حسن كامي المرصع بالذهب وصالون الضيوف في المدافن متعة للناظرين.. الكوميدي الذي سُجن بسبب الرشوة ولماذا لم يعد الحكام يخشون “الفساد” في زمن التطبيع

نبيل بكاني

طغت “قضية” القبلة الساخنة بين لاعبي الوداد الرياضي المغربي، على الهدف المسجل، والذي كان وراء تلك القبلة التي نقلت على الهواء مباشرة، حيث خطف محمد الناهيري وأشرف داري الأنظار بإقدامهما على تقبيل بعضهما..

المباراة جمعت بين الوداد المغربي  وفريق جاراف السنغالي، السبت الماضي، برسم ذهاب الدور الثاني من دوري أبطال أفريقيا.. ولفت تقبيل لاعب لزميله على شفتيه، أنظار المشاهدين، عندما سُجّل هدف الموت، وهو الهدف الثاني في شباك الفريق السينغالي، الشيء الذي أشعل حربا على شبكات التواصل الاجتماعي بين مشجعي فريقي الدار البيضاء، الوداد والرجاء البيضاويين، الخصمين التاريخيين اللدودين..

خصوم الوداد من محبي الرجاء، وجدوا في القبلة فرصة ذهبية لتوجيه سهام السخرية والاتهامات المبطنة لخصومهم محققين هاشتاغ عال طيلة الأسبوع..

من جانبهم لم ينتظروا مطولا للدفاع عن لاعبهم وعن فريقهم الذي تحول إلى محل للسخرية العارمة، حيث تمكن مشجعوا الوداد من استعادة صور من أرشيف الفريق “الأخضر” وباقي الفرق الوطنية تظهر حركات من هذا القبيل، معتبرين الأمر مسألة معتادة خلال مثل هذه اللحظات..

القبلة جاءت في لحظة انتشاء لنصر محقق وقد غلبت عليها العفوية. والبعض وجدها مناسبة مواتية لتوجيه الأنظار عن النصر الذي حققه الفريق الأحمر على خصمه السينغالي.. فما هو المهم هنا، هل النصر المكين، أم قبلة عابرة لا تقبل أي تفسير أو تأويل خارج نطاقها الكروي الرياضي؟..

***

بعد سنوات قليلة على الجدل الذي أثارته مراسيم دفن الفنانة اللبنانية “صباح” التي جذبت الأنظار، إذ جرت على إيقاع من الأهازيج والأغاني الاحتفالية، في مظهر غير معتاد لدى الشعوب العربية، عاد الجدل، ليُثار مجددا في مناسبة وفاة الفنان المصري حسن كامي..

حسن كامي الذي وافته المنية على عمر ناهز الاثنين وثمانين عاما، في جو طبعه الصمت، ودون سابق إنذار بشأن تعرض المتوفى لأزمة صحية أو صراع مع المرض، فقد ظهر قبل مدة قصيرة من وفاته، في مناسبات خاصة، كما شارك العام الفائت في مسلسل “قلبي معي” كضيف شرف..

القنوات المصرية تناقلت مشاهد من مراسيم دفن جثمان الفنان، وما أثار الانتباه هو ذلك القبر الغريب الذي ظهر مرصعا بالذهب.. وقد قالت التقارير الإعلامية أن الأمر يتعلق بقبر فخم يتوسط صالة استقبال داخل مدافن العائلة، وأن اللون الأصفر الذي يُزين القبر هو طلاء ذهب.. ودون ذكر تفاصيل حول ما إن كان الأمر يتعلق بتنفيذ لوصية الراحل أم مبادرة من أسرته..

طغى مشهد القبر الذهبي على المناسبة أكثر من الحضور الوازن لعدد من الشخصيات الحكومية والفنية، فسواء رُصّع القبر بالذهب أو بغيره، وسواء توسط صالون ضيوف أو حديقة، فالرجُل قد مات وانتقل إلى متواه الأخير، والذهب والفخامة ستبقى لمن ينظر إليهما فقط..

***

على الرغم من تعثر مسار إقرار العدالة والحريات في تونس بعد الثورة، بين صعود ونزول، واتساع وضيق، حسب الظروف الأمنية والسياسية، غير أنه لا خلاف حول أن حرية التعبير والإبداع تعيش عهدا غير مسبوق في تونس، وهذا ما نستشفه من كلام العديد من المثقفين والفنانين الملتزمين ممن عايشوا تقلبات الأوضاع السياسية خلال عهدي الرئيسين السابقين، زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة..

خلال استضافته في حلقة لأحد البرامج هذا الأسبوع، تحدث الفنان الكوميدي التونسي لمين النهدي عن مسرحيته المعنونة بـ”في بلاد الهاو هاو” وكيف تعرض للمضايقات بسببها، والتي وصلت إلى حد توقيفه ومن تم إيداعه السجن بعد تحقيقات قاسية مطولة..

المسرحية منعت من العرض، وكان آخر عرض لها في تونس منتصف السبعينات. وسبب المنع أنها تطرقت لتجاوزات رجال الأمن في حق المواطنين. ولم يتوقف الأمر عند خشبة المسرح، حيث اضطروا إلى مواصلة التدريب في إحدى الحدائق وسط العاصمة، جراء إقفال جميع أبواب الصالات الثقافية في وجههم..

الأمر تجاوز التضييق والحرمان من الفضاءات العامة، عندما ستحس السلطات بتجاوز الوعي الفني والثقافي لتلك الخطوط الحمراء التي سطّرها النظام الحاكم، فمباشرة بعد عرض مسرحية “الفرجة” التي كشفت في شكل عمل ساخر، مظاهر الزبونية والرشوة في الدوائر الحكومية في البلاد، سيبدأ مسار جديد من الخنق والمتابعات..

الكوميدي، وفي مقابلته الأخيرة، قال أن فرقته رغبت في الخروج من الرتابة التي طبعت المشهد، بما ألفته الساحة الفنية، وبالتحديد المسرح، من مواضيع السخرية والفكاهة الفرجوية غير الهادفة. فما كان من السلطات القائمة، إلا الإقدام على حرمانه، ليس من حقه في التعبير والتجسيد على الركح فقط، وإنما من حقه من الحرية ككل، حيث تم سجنه بمبررات واهية، قبل أن يُعرض عليه تعويض، أو بشكل أوضح “رشوة” مقابل أن يتراجع عن مواقفه ويُغيير التوجه السياسي لفرقته..

كان مجرد الحديث عن الرشوة ومظاهر الفساد في إدارات الدولة، قبل عقود، يثير خوف أصحاب الشأن. اليوم أصبح ممثلون وفنانون يتقاضون رشاوى وإتاوات من الجهات الرسمية في أشكال مختلفة، تتنوع بين دعم غير قانوني يُحرم منه غيرهم، أو إغداق غير مبرر، أو مناصب في وزارات الثقافة ودوائر الفنون، لقاء الالتحام بالقيادة، في المقابل لم يعد الحديث عن الرشوة وباقي صنوف الفساد المالي والإداري يخيف الدولة، إذ باتت التلفزيونات الرسمية هي أول راع لأعمال درامية وفنية تهدف لمحاربة هذه المظاهر التي صارت مُدانة من أعلى الجهات، لكن بالموازاة مع ذلك، فان المؤشرات العالمية المهنية والموثوقة، تُشير إلى تفاقم واستفحال هذه الآفة، وارتفاعها بوثيرة أكبر مما كانت عليه أيام الحظر الإعلامي. فهل للوضع علاقة بما يصطلح عليه “التطبيع” الذي نراه اليوم، موضة العصر الدارجة، يتسابق، ويتنافس عليها كثيرون، “صغارا وكبارا” في وطننا العربي الأبي..

صحفي وكاتب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. في هذا المنبر الإعلامي جل المواضيع يتطرق فيها كتابها لمواضيع تجعلك تستفيد وتقوي معلوماتك.
    أما الموضوع أعلاه فهو يتطرق إلى التفاهة بكل ما في الكلمة من معنى.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here