نبيل المقدم: لبنان: من الجزء الى الكل

نبيل المقدم

في الوقت الذي يشعر فيه الشعب اللبناني والشعب السوري بانهما ينتميان الى امة واحدة لها تاريخ واحد وجغرافيا واحدة وامال واحدة ياتي من يحاول تزيييف الوقائع وطرح اشكاليات من شانها اثارة البلبلة ولاتمت الى الحقيقة بصلة.

بالرغم من الحروب التي شهدتها اوروبا في بداية القرن العشرين الا انها استطاعت الانتصار على ذاتها وتغليب مصالحها العليا على ما عداها من مصالح والذهاب باتجاهات وحدودية وتكاملية.اذن فيما يذهب العالم الغربي باتجاه الوحدة نمضي نحن باتجاه التفتيت .

في العالم اتجاهان اتجاه لمزيد من التوحد بين الشعوب واتجاه اخر لمزيد من الحروب والانقسام واثارة النعرات المذهبية والكيانية.من المؤسف ان بعضنا  مازال يؤدي ادورا تصب في خدمة الاستعمار وسياسته القائمة على مبدأ فرق تسد عن قصد او غير قصد . هذا المبداء اتبعته السلطنة العثمانية من بعدها فرنسا وبريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة الاميركية كل ذلك من اجل تحظى هذه الدول بخيرات الامم وثرواتها.

في المقابل وداخل هذه المعادلة ولدت معادلة اخرى قائمة على مبدأ حق الشعوب بالمقاومة من اجل الاحتفاظ بخيراتها والدفاع عن تاريخها وتراثها. وقد حاولت الولايات المتحدة في الفترة الاخيرة تعميم نظرية مقاومة الارهاب خاصة بعد احداث الحادي عشر من ايلول مما  ادى الى نشوء سياسات جديدة قائمة على مفهوم صراع الحضارات والديموقراطيات المزيفة. عالم من الرعب والخوف يمتد على طول الخريطة البشرية ويغرق مفهوم السلام في وحل الغطرسة ونهب ثروات الشعوب.

الا انه وسط ذلك كله برزت نقاط مضيئة كبرت وتوسعت.حيث قدم الشعب الشعب اللبناني والشعب السوري والشعب الفلسطيني تضحيات مذهلة في مواجهة المعادلات الجديدة واثبت قدرته على الانتصار. فمنذ حرب تشرين عام 1973 حتى تحرير لبنان عام 2000 وصولا الى حرب تمور عام 2006  الى مواجهات غزة البطولية ثبت بما لايقبل الشك اننا قادرون على هزيمة المشروع الصهيوني. وهذا مابرز في تصريحات “لشيمون بيريز” وفي تقرير لجنة “فينوغراد” حيث كان واضحا الاعتراف ان فكرة الصهيونية بحد ذاتها مهددة بالزوال.

في هذا السياق لابد من الاضاءة على بعض التجارب على عدة مستويات في العلاقات اللبنانية السورية منها الناجحة ومنها الفاشلة.

كانت تجربة الجيش اللبناني نشؤء وتدريبا وعقيدة من التجارب الناجحة في العلاقات اللبنانية السورية خاصة بعد اتفاق الطائف.ويجدر هنا التوقف عند احداث مخيم نهر البارد، اذ وقف الجيش السوري الى جانب الجيش اللبناني ودعمه بالسلاح والعتاد للقضاء على “حركة فتح الاسلام”.وبفضل ما قدمته له سوريا استطاع الجيش اللبناني الحفاظ على عقيدة المواجهة للاحتلال الصهيوني فقاوم الى جانب المقاومة في جنوب لبنان في عدة مواجهات كان اخرها في حرب تموز 2006 واستطاع تحقيق النصر. كما لابد من الاشارة ايضا الى التنسيق الميداني الدقيق بين الجيشين اللبناني والسوري في معركة فجر الجرود والتي كانت نتيجته هزيمة الارهاب وعودة الحياة الطبيعية الى بلدة عرسال وجوارها.

اما في المجالات السياسية والاقتصادية لابد من التوقف عند تجربة المجلس الاعلى اللبناني السوري والتي انتجت توقيع اتفاقيات ومعاهدات بين لبنان وسوريا استفاد منها لبنان كثير كما استفادت سوريا ايضا. ولكن اعتماد فريق من السياسيين اللبنانيين على السياسة العامة المرسومة من قبل الولايات المتحدة ومن ورائها اسرائيل للانتقام من السياسة السورية في لبنان ادى انهياربعض هذه الاتفاقيات والمعاهدات.

طبعا ان استعراض بعض النجاحات لايعني انه لم ترتكب اخطاء والتي اعترف بها الرئيس السوري بشار الاسد نفسه.انما قوة الضغط الاميركي هي التي ادت الى ما وصلت اليه الامور في هذه المجالات كافة.

ان ترسيم مستقبل العلاقات السورية اللبنانية ليس ترسيما للحدود كما يريد الفريق الاميركي في لبنان ان مستقبل العلاقات بين دولتين لايقوم على الاعتراف الدبلوماسي وانشاء السفارات.فما وحدته الطبيعة والثقافة والتاريخ لايمكن لفريق من المرتبطين بسياسات خارجة عن مفهوم الامة ان يلغيه بقررات تتخذ جزافا.فجوهر العلاقات بين لبنان وسوريا هو اكثر من سياسي واكثر من عسكري انه جوهر الحياة الواحدة بكل مظاهرها وتفاصيلها. فالمعطى القومي هو الاساس فالانطلاق من الفكرة الكيانية التي تقوم على اعتبار لبنان وطن نهائي يلغي فكرة القومية في حين ان المطلوب هو اعتبار فكرة الكيان مقدمة لفكرة الامة وليس بديلا عنها.

“ان شعار لبنان اولا” هو شعار عنصري في زمن الوحدات الكبرى ذلك ان استبدال الجزء بالكل هو استبدال للحقيقة بالوهم. كمايجدر القول هنا ان العلاقات الدولية ليست علاقات متساوية في ترسيم الحدود بل في الانطلاق من هذه الحدود باتجاه الوحدة كما حصل في اوروبا ومن العملة الجزئية الى العملة الواحدة ومن الثقافات المتعددة الى الثقافة الواحدة.

ان اعتماد هذه الثوابت سيؤدي حكما الى ترسيم الحياة الجديدة لكل من سوريا ولبنان باعتبار ان الاصول فيها قائمة انطلاقا من ان التاريخ حالة مستمرة منه ماهو في الماضي ومنه ماهو في المستقبل.

كاتب وصحافي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here