نبيل أحمد صافية: لبنان يفجّر نفسه

 

 

نبيل أحمد صافية

يبدو أنّ أحداث الحادي عشر من أيلول تتكرّر في مواقع أخرى من العالم وتحديداً في لبنان ، ولعلّ من المعلوم أنّ تلك الأحداث قامت بها الولايات المتّحدة الأمريكيّة عبر جهات داخليّة فيها لتدمير مبنى البنتاغون ، وقد أخفت الولايات المتّحدة حقيقة التّفجيرات ، وأكّد ذلك تيري ميسان في كتابه : ” الخديعة الكبرى ” ، وربّما أنّ الذين قاموا بالتّفجير الذي وقع يوم الثّلاثاء في مرفأ بيروت كانوا معجبين بأحداث الحادي عشر من أيلول ، ولهم مبرّراتهم وأسبابهم التي أدّت إلى تلك العمليّة ، وسيكون مقالي الحالي للإجابة على الأسئلة الآتية :

ما الأسباب التي أدّت إلى ذلك التّفجير ؟، وما النتائج المتوقّعة منه ؟، ومن الجهة التي يمكن أن تكون قد قامت به ؟، وما علاقة التّفجير بنتائج التّحقيق وبقرار المحكمة الدّوليّة في مقتل رفيق الحريريّ الذي سيصدر خلال الأيّام القادمة ؟!.

ولعلّ حادث الانفجار الذي وقع في العنبر رقم ( 12 ) قرب صوامع القمح في المرفأ ، أدّى لاستشهاد  مئة شخص وجرح ما يزيد على أربعة آلاف إنسان ، وقد تضاربت الآراء وتباينت حول أسباب الانفجار ، فنقلت وسائل الإعلام عن مسؤول أمنيّ كبير في لبنان أنّ نترات الأمونيوم انفجرت أثناء أعمال لحام وصيانة ، وقال توم ساور وهو خبير متفجّرات : إنّ الانفجار ناتج عن مواد كيميائيّة شديدة الانفجار ، وهذا ما أثبتته وسائل إعلام لبنانيّة بأنّ المعلومات الأوليّة تشير إلى أنّه ناجم عن مفرقعات ناريّة _ كما ذُكِرَ في وكالة الإعلام الوطنيّة اللبنانيّة _ وأكّد ذلك عبّاس إبراهيم المدير العام لقوى الأمن الدّاخليّ للبنان الذي بيّن أنّ منطقة انفجار بيروت كان بها مواد شديدة الانفجار ، ونفى وجود أسلحة ، ورفض استباق التّحقيقات ، وهذا ما ذهب إليه مدير الجمارك اللبنانيّ بدري ضاهر الذي أكّد أنّ مادة النّترات سبب الانفجار ، وتضمّن كتاب من الجمارك اللبنانيّة لقاضي الأمور المستعجلة برقم ( 19320 / 2014 _ 22138/ 2015 _ 938/2016 ) أنّ الباخرة :(rohsus  ( كان فيها كمّية من نترات الأمونيوم وهي ( 2750 ) طنّاً موجودة في العنبر الثّاني عشر من مرفأ بيروت ، وتلك السّفينة التي اُحتجِزت عام 2014 بسبب الانتهاكات الجسيمة لقواعد تشغيل السّفينة التي كشف عنها مفتّشو ( psc  ) أثناء التّفتيش ، وكان السّيّد حسّان دياب رئيس الوزراء اللبنانيّ قد تعهّد بمحاسبة المسؤولين عن كارثة الانفجار الذي وقع في المستودع ، وأكّد أنّ ما حصل لن يمرّ دون حساب ، وسيدفع المسؤولون عن هذه الكارثة الثّمن .

ولعلّ من الأهمّيّة بمكان أن نشير إلى أنّ الانفجار قد تمّ في ظلّ ظروف داخليّة لبنانيّة حسّاسة جدّاً ، وهو الذي يعاني من أزمة اقتصاديّة خانقة ، وتدهور الأحوال السّياسيّة والاقتصاديّة ، وانهيار سعر صرف الدّولار ، وتراجع الخدمات المختلفة للمواطنين ، وسبق الانفجار تظاهرات شعبيّة ضدّ طريقة تعامل الحكومة اللبنانيّة مع أسوأ أزمة اقتصاديّة تعصف في لبنان منذ الحرب الأهليّة فيه ، وترافق ذلك بتحليق طيران صهيونيّ قُبيل الانفجار ، كما لا يغيب عن الأذهان التّوتّرات بين حزب الله والاحتلال الصّهيونيّ ، وجاء الانفجار أيضاً قبل نطق الحكم في قضية اغتيال رفيق الحريريّ التي وقعت في 14/2/2005م .

وعدّ بعضهم الانفجار محاولة اغتيال جديدة إنّما لسعد الحريريّ ، لأنّه قرب منزله ، وقد تمّ الانفجار وفق الرّوايات العديدة بعد نشوب حريق كبير في مستودع المفرقعات في العنبر الثّاني عشر في المرفأ ، وتلاه انفجار هائل هزّ دائرة قطرها ثماني كيلومتراتٍ ، وبعضهم عزاه للصّهاينة ، رغم أنّ قناة ( otv ) بثّت مساء يوم الثّلاثاء عن مصادر مقرّبة من حزب الله قولها :

” لا صحّة لما يتمّ تداوله عن ضربة إسرائيليّة لأسلحة للحزب في مرفأ بيروت ” ، ونفت تلك المصادر لوسائل إعلام لبنانيّة مختلفة أنّ الانفجار ناجم عن استهداف إسرائيليّ للميناء ، ونفى الصّهاينة ذلك عبر صحيفة ( يديعوت أحرنوت ) ولقناة ( c n n ) وغيرهما وجود أيّة علاقة لإسرائيل بالانفجار .

وهناك من ذهب بعيداً في نسبته للانفجار ومنهم ضاحي خلفان نائب رئيس شرطة دبّي الذي اتّهم في صفحته عبر تويتر الأمين العام لحزب الله سماحة السّيّد حسن نصر الله بالتورّط في الانفجار الذي حدث ، فقال :

” إذا تأجّل النّطق بالحكم في مقتل الحريريّ ، فالمفجّر في المرفأ حسن نصر الله ” ، وأضاف :

” المفرقعات ما انفجرت إلّا قبل يومين من النّطق بالحكم في قضية الحريريّ .. شغل عصابات ” ، وأضاف قوله :                                                                                        ” القضاء كلّه سيكون مدووشاً بالحادث الكبير الجديد ، لبنان ضحيّة إرهابيّ كبير اسمه حسن ” ، وطبعاً _ هذا من وجهة نظره الخاصة _ وإنّي أرى الانفجار ضربة موجعة لحزب الله قبل غيره ، وهذا يتعارض مع ما ذهب إليه ضاحي خلفان ، وجاء قرار التّأجيل للنّطق بالحكم أو القرار حتّى الثّامن عشر من الشّهر الحالي ، فهل كان ذلك التّأجيل يتماشى مع ما قاله خلفان ؟ وما أبعاد ذلك ؟!، وما تداعياته لاحقاً ؟!…

ولو عدنا إلى الجانب الصّهيونيّ لرأينا جانباً مهمّاً ينبغي الوقوف عنده مليّاً ، وهو ظهور نتنياهو رئيس الوزراء الصّهيونيّ عبر إحدى الصّور يشير فيها إلى سلاح مخزّن في داخل مستودع ، وهو نفسه العنبر الثّاني عشر الذي جرى فيه الحريق وبعده الانفجار ، وقد جاء تصريح في الصّحافة الصّهيونيّة قبل الانفجار بساعة تقريباً أو يزيد قوله :

” لتستعد سورية لاحتضان أكثر من مليونين ونصف مليون نازحٍ لبنانيّ تقريباً ” ، فهل سيكون ما أشار إليه مصادفة ؟!.

ولو تساءلنا الآن :

ما علاقة التّصريحات التي تكرّرت من سعد الحريريّ رئيس الوزراء اللبنانيّ السّابق قبل التّفجير بما تمّت الإشارة إليه عن أخطاء تجاه سورية ، والتي أكّد فيها أنّ الاتّهام لها بقتل رئيس الوزراء الأسبق الشّهيد رفيق الحريريّ كان سياسيّاً ومتسرّعاً ، وبيّن أنّ العلاقة مع سورية تاريخيّة واستراتيجيّة ، وأكّد أيضاً وجود أخطاء مسّت الشّعب العربيّ السّوريّ وبالعلاقات بين لبنان وسورية ، وهل كان يسعى لزيارة دمشق وليعود لرئاسة الحكومة اللبنانيّة وغير ذلك من تغييرات في لبنان يعمل لها ؟ وما علاقة ذلك بالتّفجير ؟! ، ولماذا جاء التّفجير بعد تصريحاته وقُبيلَ قرار المحكمة الدّوليّة في مقتل رفيق الحريريّ الذي كان مقرّراً صدوره الجمعة في السّابع من الشّهر الحالي  ؟!….

 وأمّا عن النّتائج الطّبيعيّة للانفجار فقد تحدث أمطار حامضيّة ، ولكن من النّاحية السّياسيّة ، فإنّي أرى لبنان على أعتاب حرب أهليّة جديدة ومحاولة لتدمير المقاومة اللبنانيّة وخلق أزمة جديدة لمحور المقاومة خصوصاً بعد إصدار قرار المحكمة الدّوليّة الخاصة بمقتل الحريريّ ، وقد نشهد تصعيداً جديداً ، وسيعود من خلالها إلى الواجهة الحديث عن سلاح حزب الله ، وسيكون للانفجار تداعياته على المنطقة عموماً وربّما العالم ، فقد نشهد تأثيره في طريق إيران أو الصّين إلى المتوسّط وأوربا ، وربّما يكون هناك تحضير لمرفأ إيلات في فلسطين المحتلّة ليغدو مرفأ بديلاً في ظلّ حالات التّطبيع المتسارعة بين دول الخليج والصّهاينة ..

وسننتظر بترقّب واهتمام نتائج التّحقيقات التي تجريها لجنة التّحقيق التي شكّلها مجلس الدّفاع الأعلى في لبنان ، والتي من المقرّر أن ترفع نتائج تحقيقاتها خلال خمسة أيّام من بدء عملها ، لنقف من خلال ذلك على المسؤولين عن التفجير وأبعاد ذلك الانفجار ، وهل كان بدوافع داخليّة أو خارجيّة ؟ وهل كان لبنان حقّاً يفجّر نفسه ؟ ولماذا ؟!..

الباحث والمحلّل السّيّاسيّ :

وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here