نبيل أحمد صافية: الحرب الباردة التّركيّة السّعوديّة الإماراتيّة

نبيل أحمد صافية

لا يمكن لمرء عندما يتحدّث عن حرب أنّه يقصد إطلاق صواريخ أو أيّ نوع من أنواع الأسلحة المدمّرة ، ولكنْ تتنوّع الحروب تَبَعاً لاستخدام ذلك النّوع في السّياسة بمختلف أنواعها ، وكذلك الحال ضمن إطار السّياسة الإعلاميّة بين الدّول تَبَعاً لاختلاف سياسة المصالح التي ترسم معالم تلك الحرب .

ولعلّ الحرب الباردة بين تركيّا والسّعوديّة والإمارات بدأت بصورة واضحة من عام 2013م ، فقد أخذت شكل حرب إعلاميّة بين تلك الدّول ، ولاحظنا أنّ الانتقادات المتبادلة بينها _ إن كانت ثنائيّة أو ثلاثيّة _ تعكس جانباً من الخلافات التي تقع بينها ، وكما هو معلوم فإنّ تركيّا ليس لديها سياسة استراتيجيّة عميقة مع معظم الدّول عموماً ، كونها قائمة على التّقلّبات والعمل وفق ضبابية الآراء ، ورغم تلاقي السّياسة العامة لدول الخليج العربيّ ضمن إطار مجلس التّعاون الخليجيّ ، إلّا أنّ هناك تفاوتاً في الرّؤى بين كلّ دولة وأخرى ، وحتّى العلاقة بين السّعوديّة والإمارات من جهة وتركيّا من جهة أخرى ،  فإنّ علاقة تركيا مع السّعودية ليست مثل علاقتها مع الإمارات ، رغم ما حدث في قضية مقتل جمال خاشقجي فوق الأراضي التّركيّة في تشرين الأوّل من عام 2018م .

فقد أكّدتِ الإماراتُ التّدخّلَ التّركيّ في الشّأن الليبيّ عبر نشر مقاتلين وتهريب السّلاح لهم ، ووقفَت إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر ، وجاء ردّ الأتراك على الإمارات باتّهامها بسياسة تدميريّة وذات وجهين ، وكان ردّها بالمثل حيث أكّدت أنّ الإمارات تدعم الانقلابيين في ليبيا وتزوّدهم بالسّلاح والمرتزقة ، وتبادل الطّرفان السّعوديّ والإماراتيّ من جهة والتّركيّ من جهة أخرى الاتّهام أيضاً في أحداث الرّبيع العربيّ عموماً سواء في مصر أو سورية أو ليبيا أو اليمن ، وتجلّت بوضوح مع الجانب السّعوديّ في قضية مقتل خاشقجيّ الذي ردّت عليه السّعودية عبر الشّيخ عائض عبد الله القرنيّ قبل أشهر بمهاجمة أردوغان ووصفه بالمخادع وعدوّ الأمّة الإسلاميّة ، وجاء اتّهام تركيّا للإمارات بالدّعم الماليّ للمحاولة الانقلابيّة التي وقعت في تركيّا عام 2016، الذي قُدِّر بثلاثة مليارات دولار .

وتبادلت السّعوديّة وتركيّا حجب المواقع الإعلاميّة ، فقامت السّعوديّة بحجب وكالة أنباء تموّلها تركيّا ، وحجب بعض مواقع الانترنيت ، وقابلها حظر سعوديّ وإماراتيّ لعدد من القنوات ومواقع الأخبار ، وفق مبدأ المعاملة بالمثل ، وإن كانت تركيّا تحمّل الإمارات المسؤولية عن تردّي الحالة وبروز جانب الخلافات ، وهذا ما جعل بعض المسؤولين الأتراك يتّفقون حول نهج الإمارات ليقولوا :

” صبرنا مع الأمراء الإماراتيين ينفد ” ، وطالبت الخارجيّة التّركيّة عبر المتحدّث باسمها حمدي السّويّ في بيان لها ضرورة توقّف الإمارات عن سياساتها التّدميريّة التي تغذّي الحرب الأهليّة في ليبيا واليمن والصّومال _ على حدّ تعبيره _ .

وأبرز مسؤول تركيّ دور الإمارات في ليبيا ، فقال :

” ليس سرّاً وجود المسؤولين الإماراتيين في الخرطوم لتجنيد المقاتلين مع خليفة حفتر ” ، وطالبت تركيّا الإمارات بإنهاء موقفها المعادي ، وردّت الإماراتُ على تركيّا برفضها القاطع للدّور العسكريّ التّركيّ الذي ترى فيه عرقلةً لفرص وقف إطلاق النّار ، وإجهاضاً لجهود المجتمع الدّوليّ في التّوصّل لحلّ سياسيّ شامل فيها ، وقال مولود جاويش وزير الخارجية التّركيّ الثّلاثاء الماضي في الثّاني عشر من الشّهر الحالي في إحدى القنوات التّركيّة :

” إنّ فرنسا تدعم خليفة حفتر في ليبيا ، ولا يمكن الحصول على أيّة نتيجة عن طريق الصّراع العسكريّ في ليبيا ” ، واتّهم أوغلو الإمارات بأنّها تقف ووراء الفوضى في ليبيا واليمن ، كما ذكر أنّ ” سجلّ الإمارات إجراميّ ضدّ تركيا وليبيا واضح للعيان ” _ وفق تعبيره _ .

وندّدت الإمارات وقبرص واليونان وفرنسا عبر بيان ختاميّ لاجتماع وزراء خارجية تلك الدّول يوم الإثنين الماضي بالتّحركات التّركيّة الجارية والتّنقيب في المياه الإقليميّة لقبرص ، وعدّوها غير قانونيّة وفقاً لاتّفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار ، وأدانوا انتهاكاتها العديدة للقوانين الدّوليّة في اليونان ، كما أدانوا التّدخّل العسكريّ التّركيّ في ليبيا ، وحثّوها على الاحترام الكامل لحظر السّلاح الذي تفرضه الأمم المتّحدة على ليبيا ، ودعوا لوقف تدفّق المقاتلين الأجانب من سورية إلى ليبيا ، ومن الأهمّيّة بمكان الإشارة أيضاً إلى أنّ الإمارات وقفت إلى جانب السّيسيّ في مصر في حين ساندت تركيّا  محمّد مرسي ، وقال وزير الدّاخليّة التّركيّ سليمان صويلو في مطلع العام :

” إنّ الإمارات تسعى للنّيل من تركيّا وإثارة الفوضى بداخلها ” .

وجاءت مقاطعة البضائع التّركيّة والسّياحة من الإمارات والسّعوديّة ، وانضمّت مصر إليهما ، وتراجعت الاستثمارات  السّعوديّة والإماراتيّة ، ولايغيب عن الأذهان الأثر الاقتصاديّ للحرب الاقتصاديّة النّفطيّة أو الحرب في الأسعار النّفطيّة في المنطقة والعالم .

وبالتّالي تتباين الآراء والرّؤى في نظرة تلك الدّول للمنظومة السّياسيّة في المنطقة ، وفق توجّه المصالح المتبادلة ، فقد تختلف مواقفهما في مكان ، ولكنّها تتّفق في أخرى ، إلّا أنّ وحدة المصالح بينها وموقفها من الجانب الإيرانيّ  هو ما يجمع بينها رغم التّباين الذي نشهده بين فترة وأخرى ، وبرأيي مهما بلغت حدّة التّوتر بينها فإنّها لن تصل إلى درجة اشتعال حرب ناريّة ومواجهة عسكريّة مستعرة بينها ، ولننتظر قادم الأيّام وما ستحمله للمنطقة في ضوء المتغيّرات السّياسيّة والاقتصاديّة القادمة ، وتكوّن عالم جديد ضمن مرحلة ما بعد كورونا ، وربّما تشهد الأيّام القادمة صراعاتٍ جديدةً بينها في طرق أبواب دمشق ، فللنتظر ونترقّب ما ستأتي به الأيّام .

عضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    عيد مبارك عليكم وعلى كل المسلمين. وان يهلك اعدءنا في هذا العام. اود في ان اقول بان مقتل الدوله المعاديه للمسيح سيدنا عيسى عليه السلام والمعاديه لله ولرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام والمعاديه للمؤمنين بهم ولجميع المسلمين هو من الاردن.ولان عرف الاردن قدرته لعلم ان اوراق اللعبه كلها بيديه. ما على الدوله الاردنيه اللا ان تتسلح وتقوي نفسيا بالاسلحه النوعيه كالاسلحة المضاده لطاءرات والطاءرات من غ ير طيار وان يكون عندها الاسلحه الذكيه وطبعا ان امريكا واسرائيل وبريطانيا وفرنسا وروسيا لن يسمحو بذلك ولكن على ايه دوله او الاردن ان تتخذ الخطوات التي تحمي نفهسا ولا تكون دوله اوتيلات ومطاعم وماكن استجمام وسياحه. ان الدوله التي لا يوجد عندها سلاحها لتدافع عن نفهسا فانه لا قرار لها وان القرار يكون لمن يدعمها ماديا او يعينها. وان الاردن سوف لم ولن يستطيع ان يحمي بلاده او يقرر ما سيفعل ببلاده من حماية الاغوار واراضيه وحماية القدس اللا ذا كان عنده القدرات الذاتيه. ولذلك يجب العمل لتقوية القدرات الذاتيه لكي يستطيع الاردن ان يمتلك قراره السياسي والا فان القرارات لما يحصل في المنطقه والاردن وفلسطين سيكون لمن يعطٍهم المساعدات. ياخذا المساعدات من هنا ويدفعو مقبلها اخذ اراضيهم وبلادهم ومقدساتهم من ناحيه اخرى والتي لها قيمه عشرات الاضعاف مما ياخذونه من مساعدات ( تجاره خاسره) وهل يعطي عدو مساعدات لخدمه مجانا؟ للاردن وعباس وجماعه اوسلو ان يصحو ويدركو ما يدور حولهم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here