نبع السلام التركي في تل ابيض السورية جف مبكرا… ودماء الضحايا تستفسر عن الجناة

البراء طه

لم يكن التفجير الذي استهدف المنطقة الصناعية في مدينة تل أبيض (منطقة عمليات نبع السلام) هو الأول من نوعه بل جاء بعد أحد عشر تفجير ضرب هذه المنطقة (منها تسع تفجيرات بواسطة سيارات مفخخة) خلال مدة لم تتجاوز الشهرين منذ إعلان السيطرة عليها من قبل الجيش التركي والفصائل الموالية له.

 تفجيرات هزت المنطقة  واوقعت عشرات الضحايا دون أن تعلن  أي جهة مسؤوليتها عنها وخاصة تنظيم الدولة الذي لم يتوانى عن تبني أي عملية إرهابية يقوم بها، فيما تبادلت تركيا وقسد الإتهامات بشأن المسؤولية عن هذه التفجيرات التي أودت بحياة أكثر من 30 ضحية.

وهنا لابد من استكشاف واقع المنطقة لمساعدتنا في رفع انقاض هذه التفجيرات وكشف من يقف خلف غبارها غير عابئ بدموع الاهالي وصرخاتهم، و بدماء الضحايا التي لاتزال اثارها واضحة في بعض تلك الأماكن، ومن يقف خلف كشف أهتراء الواقع الأمني في المناطق التي تسيطر عليها أنقرة وفصائلها رغم زعمهم بأن هدف عمليتهم العسكرية المعلن والمنشود كان إحلال السلام والأمن وتحقيق الإزدهار في منطقة نزح عنها عشرات الآلاف من سكانها الأصليين.

بالنظر إلى هذه المنطقة يمكن ملاحظة مايلي:

  • أنها ذات غالبية عربية إضافة الى بعض المكونات الأخرى (الكرد والسريان والأرمن والشيشان والتركمان والماردلية) والتي يتفاوت أعداد افرادها.

  • تعد قبيلة الـ “جيس” من أكبر القبائل في هذه المنطقة مقسمة إلى ثلاث عشائر قوية هي: البو عساف، التي كانت في فترة من الفترات قريبة من قسد، والجميلة والبو جرادة، المعاديتان جدا لـ “قسد”. أما القبائل المحلية الأقل بروزا فهي النعيم، والهنادى، والبقارة، والعنزة، والسخانة.

  • منذ خروجها عن سلطة النظام السوري في يوليو 2012، لم تشهد هذه المنطقة وخاصة تل أبيض وقراها أي محاولة لإعادة السيطرة عليها من قبل الجيش السوري نظرًا لبعدها الجغرافي عن مناطق سيطرة الجيش.

  • عندما سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على شرق سوريا، اصطفَّت العشائر التابعة لقبيلة “جيس” مع جهات مختلفة: حيث أيدت عشيرتا الجميلة والبو جرادة التنظيم، بينما ساعدت البو عساف في تشكيل فصيل “لواء ثوار الرقة” وشاركتا في تحرير تل أبيض من “تنظيم الدولة ” عام 2015 وكذلك ، شارك أعضاء من قبائل النعيم، والبقارة، والعنزة في تحرير الرقة تحت راية “لواء صقور الرقة”

  • عملت قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي على إحكام القبضة الأمنية على هذه المنطقة قبل عملية نبع السلام وهو ما يعني بالضرورة خلوها سابقا من اللوجستيات اللازمة للعمليات الإرهابية كمعامل تفخيخ الآليات وصناعة العبوات الناسفة.

  • تأتي أهمية هذه المنطقة من موقعها على الحدود التركية السورية، إضافة إلى وجود معبر بري دولي فيها (معبر تل أبيض، أقجى قلعة) يربط الجانبين السوري والتركي وتعد ممر يربط بين تركيا و سوريا و العراق.

  • يعمل غالبية سكانها بالزراعة بسبب خصوبة تربتها وغناها بالينابيع التي تغذي نهر البليخ حيث يعد القمح والشعير والذرة والقطن والمشمش والرمان والجوز من أهم حاصلاتها

  • تأتي أهميتها العسكرية بالنسبة لتركيا كونها تمتلك شبكة طرق إضافة إلى وقوعها على الطريق الواصل بين مدينتي القامشلي شرقاً وعين عرب “كوباني” غرباً وهو ما يعني بشكل آخر تقسيم كانتون شرق الفرات الذي تسيطر عليه قسد.

  • ما يميز هذا المنطقة أن الجغرافيا فيها خالية من أي تضاريس معقدة كالجبال أو الأودية بل تتميز بامتداد سهلي يعطي سهولة رصد أي عملية اختراق لحدودها ، على العكس تمامًا من منطقة عفرين ذات الطبيعة الجبلية المعقدة .

  • تمتد هذه المنطقة على مساحة تقدر ب 2419 كم2 بخط مواجهة ساخن، مغلق في مجمله تقريبا يصل طوله إلى حوالي 210 كم وهو ما يعني صعوبة التنقل من و إلى خارج هذه المنطقة .

  • يغطي خط المواجهة فيها حوالي 14000 مقاتل من فصائل الجيش الوطني ناهيك عن عناصر الجيش التركي النظامي مقابل 4000 مقاتل من قوات قسد يتمركز معظمهم في الجهتين الغربية والشرقية من المنطقة وهو ما يعني استحالة وجود عمليات تسلل لعناصر أو آليات معادية في ظل هذا الاستنفار العسكري .

  • بعد السيطرة على تل أبيض ورأس العين قام الجيش التركي بنشر حواجز ونقاط تفتيش لتأمين الطرق المؤدية لكلا المدينتين مزوداً إياها بأجهزة كشف حديثة ، مما يعني استحالة حدوث أي عملية اختراق أمني خارجي.

اللافت في هذه التفجيرات، وقوعها في مناطق عربية صرفة تقريبًا أو تركمانية وغالبية من بقي من سكانها تشكل “في أقل الإيمان” بيئة غير معادية لفصائل الجيش الوطني والجيش التركي , كذلك فإن أغلب ضحايا هذه التفجيرات هم من المدنيين مما يبعد عنها الصبغة الانتقامية .

وعلى الرغم من وجود عدة أطراف معادية للوجود التركي والفصائل المدعومة من قبله إلا أنّ إمكانياتها اللوجستية في تشكيل خلل أمني في المنطقة تكاد تكون معدومة ما يفتح الكثير من الأسئلة حول تورط السلطة الجديدة في مثل هذه الأحداث.

ويتألف الجيش الوطني من عدة فصائل ذات توجهات  وأيديولوجيات مختلفة وحَّدها الداعم التركي ليسهل السيطرة عليها وتكون رأس حربة في أي عملية عسكرية يقوم بها داخل سوريا وعلى الشريط الحدودي معها، وغالبا كان اختلاف الايديولوجيات ومحاولة توسيع السيطرة الأمنية و تقاسم الغنائم والسرقات سبباً للمواجهة بين هذه الفصائل وما شهدته عدة مدن في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون وإدلب وبقية المناطق السورية قبلهما خير دليل على ذلك ، وتختلف طبيعة هذه المواجهات حسب الظروف الزمنية والأمنية تتراوح بين الصدام العسكري المباشر  والاغتيالات المتبادلة فيما بينها.

كل ما سبق يعطي نتيجة مفادها أن مصدر هذه التفجيرات والمفخخات داخلي و من غير المستبعد أن تكون ناتجة عن صراعات داخلية بين هذه الفصائل وخاصة في ظل وجود اتهام عشوائي غير مثبت ، وعدم توصل التحقيقات التي جرت سابقا في مختلف المناطق التي تسيطر عليها هذه الفصائل إلى نتيجة واضحة مثبتة عن الجهة المسؤولة عن العمليات المشابهة لها , وعدم تقديم ادلة مثبتة حول تورط أي جهة خارجية في هذه التفجرات الدموية , كما أن العديد من مقاطع الفديو والصور التي تسربت لوسائل الإعلام اثبتت أن انقرة فشلت في ضبط تصرفات الفصائل التي تسيطر عليها , يبقى أن نقول أن مثل هذه التفجيرات التي تستهدف المدنيين في مناطق النزاعات هي مدانة أخلاقيا وانسانيا وقانونيا أيا كانت الجهة المسؤولة عنها ولذا لابد من العمل الجاد لمعرفة من يقف خلفها ومحاسبته وهذه المهمة تقع على عاتق الأتراك الذين أعترفوا بسيطرتهم الفعلية على المنطقة ولذا فعليهم تحمل مسؤوليتها كقوات احتلال تسيطر على الأرض وتتولى ادارة شؤونها و إلا فهم مدانون ايضا بالتقصير والمشاركة في التستر على من يقف خلفها إذ ان إكتفائهم بتوجيه التهم إلى قوات سوريا الديمقراطية او الحزب الكردي ypg وحزب العمال الكردستاني pkk , غير كافي لإسقاط مسؤوليتهم , وسيقى دم الضحايا في رقابهم .

كاتب سوري لاهاي -هولندا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here