نايف المصاروه: التعريب.. وسيادة الدولة

نايف المصاروه

التعريب لغة:-  معجمُ “لسان العرب” لابن منظور ، مصدر الفعل عَرَّبَ، وعَرَّبَ منطقَه: هذَّبهُ من اللحن.

وحاء في المعجم الغني، ع  ر  ب :- عَرَّبَ مصدر.

  1. :-أَنْجَزَ تَعْرِيبَ نَصٍّ مِنَ اللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ :- : تَرْجَمَتَهُ إِلَى العَرَبِيَّةِ.

  2. :-تَعْرِيبُ الْمُصْطَلَحَاتِ العِلْمِيَّةِ :-: نَقْلُهَا وَوَضْعُهَا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وقالوا ايضا التعريب في اللغة: هو  الإبانة والإفصاح. يُقال: أعرَب الرجلُ أي: أفصح القول والكلام.

ويُقال رجلُ مُعرِب أي فصيحًا.

وفي تعريف آخر: مصدر من الفعل “عرّب”، أي هذّب، فعرّب الكلام يعني هذّبه من اللحن.

وفي المعجمُ الوسيطُ فالتعريبَ هو صبغ الكلمة (المُصطَلح) بصبغة عربية عند نقلها بلفظها الأجنبي إلى اللغة العربية.

أمّا اصطلاحًا: “ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة في غير موضعها، لمعانٍ في غير لغتها”.

ولا يقتصــر التعريــب علــى الترجمــة، وإنمــا يعــني شموليــة اســتعمال اللغــة العربيــة في الــوطن

العربي في جميع مجالات الحياة تعليماً وإعلاماً واقتصاداً وتجارة وإدارة…الخ.

إنه يعني سيادة اللغة العربية على ساحة الوطن العربي بما يوحـد المشـاعر العربيـة ويجمعهـا حـول تاريخهـا وتراثهـا وواقعهـا ومصـيرها، ممـا يجعـل التعريـب عـاملاً جوهريـاً وأساسـياً في الخـروج من دائرة التخلف السياسي المتمثل في التجزئة إلى حرية الوحـدة العربيـة في الصـورة الـتي تؤصـل دور الأمة العربية التاريخي والمصيري، وكسر طوق التخلف والتحرر من أنواع التبعيات الاقتصادية والثقافية .

واما السيادة في اللغة: من سود، يقال: فلان سَيِّد قومه إذا أُريد به الحال، وسائِدُ إذا أُريد به الاستقبال، والجمع سَادَةٌ.

ويقال: سادهم سُوداً سُودُداً سِيادةً سَيْدُودة استادهم وسادهم وسوَّدهم، هو الـمسُودُ الذي ساده غيره فالـمُسَوَّدُ السَّيّدُ.

والسيادة اصطلاحاً :هي  “وصف للدولة الحديثة ، بأن يكون لها الكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه” انظر معجم القانون، ص637: ‘وهو من المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر’.

وعرفت أيضاً بأنها: “السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال”. انظر.. قواعد نظام الحكم في الإسلام، ص24.

كما يشير مفهوم السيادة الوطنية باختصار، إلى حق الدولة بحكم نفسها بنفسها وامتلاكها للسلطة المطلقة، وغير الخاضعة للسيطرة من أي جهة أخرى، والتي تأتي منها جميع الصلاحيات السياسية، لتُصبح الدولة قادرة على حكم نفسها وسن قوانينها وتنفيذها ، وتنظيم شؤونها الداخلية والخارجية، وتنظيم العمليات التجارية مع الدول الأخرى دون أي تدخل او إملاء من اية سلطة او دولة اخرى.

ويتجلى مفهوم السيادة في الدولة من خلال، السلطة التشريعية وهي سلطة سن القوانين الجديدة وتصحيح القديم منها، والتي يجب ان تنطلق من ثوابت الدولة وعقيدتها وثقافتها وتاريخها.

كما تتجلى السيادة الوطنية  من خلال ممارسة السلطة القضائية وقيامها بدورها باحقاق الحق وإقامة العدل،والفصل في الخلافات والخصومات،  وردع الطغاة والبغاة وكل من يتحاوز على حق الفرد او المجتمع ، وتحديث التشريعات بما يضمن للمجتمع امنه واستقراره وحفظ كل حقوقه.

وتتجلى السيادة من خلال قيام السلطة التنفيذية بكل واجباتها،وتنفيذ القوانين والانظمة المعمول بها، ودون تدخلات او مؤثرات او محاباة او تقصير او املاء من أي جهة.

يقول ميكافيلي في كتابه الأمير : ربما توزع المناصب ولكن لا يمكن تقسيم السيادة ، فثمة مسافة بين السيادة و الوطن تكاد تكون ضئيلة جداً ، فلا وطن دون سيادة ولا سيادة دون وطن .

السيادة تعني الحق المطلق للدولة في ممارسة سلطتها، دون تدخل خارجي، كما تعني السيادة الإرادة الوطنية الكاملة.

إذا السيادة امر يخص الدول اكثر من الافراد  والمجتمعات الخاصة بهم، فكما ان  هناك دولة ذات سيادة، وسائدة عسكريا او صناعيا او اقتصاديا او سياسيا، هناك ايضا  دولة مسودة، اي منقوصة السيادة، فما هي الدولة ومكوناتها؟

ظهر مصطلح الدولة في اللغات الأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وفي القرن الثامن عشر تطور مصطلح الدولة واستخدم تعبير Publicae اللاتيني والذي يعني الشؤون العامة.

وللدولة عدة تعريفات وُضِعت من قبل العديد من المؤسسات ولاسيما الأوروبية منها، إلا أن التعريف الأكثر شيوعاً لمفهوم الدولة هو تعريف المفكر الألماني ماكس فيبر – Max Weber إذ عرَّفها بأنها منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين على كل أرضها ومياهها وسماءها.

في حين رأى العديد من فقهاء القانون الدستوري أن الدولة: “كياناً إقليمياً يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه”.

وثمة تعريف آخر  للدولة هو التعريف الوارد في اتفاقية مونتيفيديو – Montevideo بشأن حقوق وواجبات الدول في عام 1933.

وقد عُرِّفَتْ الدولة بأنها: مساحة من الأرض تمتلك سكان دائمون، إقليم محدد وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعَّالة على أراضيها، وإجراء العلاقات الدولية مع الدول الأخرى.

اعود إلى التعريب وعلاقته بالسيادة والدولة، فكما ان  للتعريب علاقة باللغة، ولتكون اللغة العربية هي لغة العلم والعمل والفكر والإدارة، وهو من ظواهر السيادة،لكن المعنى الأشمل والاوسع  للتعريب هو تعريب القرار والادارة والفكر والسيادة والسياسة.

اما التعريب في مفهومنا الوطني الاردني ، والذي تجلى بإحلال القيادات العربية الأردنية مكان القيادات الأجنبية، في رئاسة اركان الجيش العربي الاردني.

ومن منطلق ان السيادة تعني، الحق المطلق للدولة في ممارسة سلطتها، دون تدخل خارجي.

وكما ان الدولة تعني  كياناً إقليمياً يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه”.

ومن هذا المنطلق ومن جملة هذه المعاني الكبرى ،وفي يوم الخميس الموافق الأول من آذارعام  1956، اتخذ الملك الحسين رحمه الله، قرارا  تاريخيا ومهما، بتعريب قيادة الجيش العربي، ، عندما رأى رحمه الله، أن الشعور بالكرامة وضرورة  السيادة الوطنية، المتمثلة بالرأي والقرار الوطني، وضرورة إبراز ماهية الدولة وفرض سلطتها من قبل اهلها وابناءها  ، كل ذلك  كان دافعا له رحمه الله، لإتخاذ ذلك القرار، بالرغم من كل المحاذير  السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وقد طلب  رحمه الله، عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء، وتوجه إلى دار الرئاسة وبين لرئيس الوزراء آنذاك دولة سمير الرفاعي رحمه الله، بإنه يرغب في إنهاء خدمات رئيس الأركان في الحال، ونفّذت الحكومة رغبة جلالته فوراً.

وقرر مجلس الوزراء في قراره رقم 198 تاريخ 1 آذار 1956 والذي تضمن ما يلي : –

  1. إنهاء خدمة الفريق جون كلوب من منصبه في رئاسة أركان الجيش العربي الأردني.

  2. ترفيع الزعيم راضي عناب لرتبه أمير لواء وتعيينه في منصب رئاسة أركان الجيش العربي الأردني.

  3. إنهاء خدمة القائم مقام (باترك كوجهل) مدير الاستخبارات.

  4. إنهاء خدمة الزعيم هاتون (مدير العمليات العسكرية).

بعد ذلك تم ابلاغ الفريق جون كلوب بقرار مجلس الوزراء بإنهاء خدماته، بناء على تعليمات خاصة من جلالة الملك،  وعلى الفور غادر كلوب أرض الاردن عائدا الى بلاده .

نقلت الإذاعة الأردنية أنباء الخطوة الجريئة للملك الحسين  رحمه الله قائلا :–أيها الضباط والجنود البواسل: أحييكم أينما كنتم، وحيثما وجدتم، ضباطاً وحرساً وجنوداً وبعد:-

فقد رأينا نفعاً لجيشنا وخدمة لبلدنا ووطننا، أن نجري بعضاً من الإجراءات الضرورية في مناصب الجيش، فنفذناها متكلين على الله العلي القدير، ومتوخين مصلحة امتنا وإعلاء كلمتها، وإنني آمل منكم كما هو عهدي بكم النظام والطاعة.

وأنت أيها الشعب الوفي، هنيئاً لك جيشك المظفر الذي وهب نفسه في سبيل الوطن، ونذر روحه لدفع العاديات عنك، مستمداً من تاريخنا روح التضحية والفداء، ومترسماً نهج الأُلى، في جعل كلمة الله هي العليا، إن ينصركم الله فلا غالب لكم” .

بزوال الوجود البريطاني، عن الأرض الاردنية، والذي تمثل برحيل كلوب باشا، أصبح القرار اردنيا ووطنيا وتجلى مفهوم السيادة الوطنية، وأصبح الجيش العربي.. جيش الوطن والأمة.

القرار التاريخي والجريء في تعريب قيادة الجيش،

كانت أولى  ثماره إقرار اتفاقية التعاون العسكري بين الاردن وسوريا.

ومع وردود الاشارة الى سوريا واهميتها الى العمق العربي….أسال. .. الى متى تترك سوريا وشعبها، بين يدي كل  الأنجاس والاحباش والفرس الأوباش!

أما آن للعرب ان يعلموا ان الوحدة قوة وأن التفرق ضعف!

ترى هل يعلمون ان المخطط الخبيث الذي جرى لسوريا، هو مخطط حيك بمكر ودهاء من كل اللآعبين، لعزل سوريا عن المحيط العربي لإضعافها، ومن ثم جعلها مركزا لكل الجماعات والعصابات التي تتبنى افكار التهريب والتخريب والإرهاب، للنيل من وحدة الأمة وقوتها، وهو مخطط سبق تنفيذه بالعراق ثم لحقت سوريا ثم اليمن ثم ليبيا.

وسؤالي المهم… نقول أن ايران تتدخل في شوؤن منطقتنا العربية، والسؤال.. من الذي ابعد سوريا بالذات عن محيطهاالعربي

،،،ولمصلحة من…؟

لتتداعى عليها عصابات وكيانات، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها !

وكما جرى قبل ايام مضت، من مصالحة عربية، مع الشقيقة قطر بعد قطيعة لسنوات، الخاسر فيها هم العرب بعامتهم، والمستفيدان الوحيدان او الأوحدان هما ايران واسرائيل واذنابهم….. أما  آن الأوان لوقفة جادة، ومن كل العرب… لقرار سيادي عربي بالإجماع لإعادة سوريا إلى حضنها العربي ؟

والى متى ستبقى وحيدة، تواجه كل التدخلات وتجري على ارضها الصراعات وتصفية الحسابات ؟

من القرار السيادي والسياسي للحسين رحمه الله، في تعريب قيادة الجيش العربي، رغم كل المعوقات التي كانت، سياسيا واقتصاديا وامنيا ، إلا انه اصر عليه ونفذه، ومن تلك اللحظة كانت مرحلة البناء والنماء.

عندما تكون حرا في رايك وقرارك، وتمتلك كامل السيادة على ارضك بكل مكوناتها،  لا يضيرك الفقر، “فالرجال الرجال”  يصنعون المعجزات، ولا يعرفون للمستحيل طريقا.

في غمرة الذكريات، ورمزية الإحتفاء بالتعريب، ندعو الله تعالى ان يرحم ويغفر للحسين، وكل اللذين رافقوه وساندوه وكانوا معه  لصنع انجاز  التعريب وكل ما كان قبله وبعده. .

من منطلق التعريب ومفهومه الواسع نريد  المزيد والمزيد من التعريب في شأننا الإقتصادي، للتحرر من سلطة البنك الدولي وكل الجهات الدائنة او المانحة والواهبة، وهذا امر يسير وليس بعسير إن اردنا التحرر حقا.

وإن اول خطوات التحرر والانعتاق، هي الإعتماد على الذات، واستغلال كل المصادر والقدرات، وتسخيرها لخدمة الوطن كله، ومن ذلك إيلاء الزراعة كل الاهمية، لدورها فب تحقيق مفهوم الامن الغذائي، والتركيز بشكل خاص على زراعة الحبوب  وخاصة القمح ، للنعود كما كنا  مصدرين له، لا مستوردين ومستهلكين لأردى انواع القمح بالذات.

ومن ذلك ايضا ايلاء قطاع الصناعة بكل مسمياتها وانواعها العناية والرعاية، انطلاقا من التركيز على صناعة كل ما هو بديل للمستوردات، ثم التوسع في استغلال طاقة الشمس والرياح، ليكونان مصدر من مصادر الطاقة، مع التوسع في تعميم ذلك.

ومن ذلك ايضا البحث الجاد والحقيقي عن مصادر الطاقة كالنفط والغاز، واستغلال المصادر الأخرى كالنحاس، والصخر الزيتي، ليكون كل ذلك رافدا مهما من روافد الخزينة والموازنة العامة.

وامر مهم آخر…نحتاج فيه الى قرار سيادي جريء، لإعادة  كل الثروات التي تم خصخصتها ثم بيعت بثمن بخس دراهم معدودة، كالفوسفات والبوتاس، والكهرباء والاتصالات والنقل والموانئ، وغيرها، لتعود الى حاضنة الوطن، كرافدا مهما يسهم في دعم الإقتصاد الوطني .

ونريد المزيد ايضا من التعريب في مناهجنا، لتعود كما كانت منارة علم وهدي على المنهج الواضح والصراط السوي، نريد لمناهجنا أن تكون منارة للعلم الحقيقي، الذي يعلم النشأ منذ نعومة الأظفار، ان الدين هو الديدن وهو الهوى والهوية، ومن دونه يكون المال والدم والروح، وان الوحدة قوة والتفرق ضعف، كما تعلمنا سابقا.. ترى لماذا استبدلت بلاد العرب اوطاني،وفلسطين داري ،واكلت يوم اكل الثور الأبيض .. وغيرها ، ببدائل  ومسميات ما زادتنا الا وهنا وتراجعا، وهل يا ترى تغيرت المسميات، فاستبدل الإستعمار العسكري ليحل محله الإستعمار الفكري ؟

نريد لثقافتنا وكل الفنون، ان تكون انطلاقتها من خلال عقيدتنا وتاريخنا وتراثنا، في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

ونريد المزيد من التعريب في إعلامنا بشقيه العام والخاص ، ليكون إعلام الوطن كله، يحمل هويته بكل معانيها، ليغرس في نفوس العامة المفهوم الاوسع للمواطنة، ويسلط الضوء على كل الايجابيات لتنميتها  وإشاعتها، كما لا يخشى ان يشير الى السلبيات واماكن الخلل والتقصير، لتداركها وتصحيحها.

ولا والف لا لإشاعة السلبيات على انها هي السمة الاولى من سمات المجتمع، بغرض النيل من هيبة الوطن وأهله.

ختاما… في ذكرى التعريب نريد المزيد من التعريب

….في كل شأننا، انطلاقا من عروبتنا واسلامنا، تعريبا يستبدل من خلاله ليقرب  كل المخلصين الأوفياء، ويلفظ كل المنافقين والجاهلين والمارقين، من امثال  ابن سلول، وإبن أبي، “جماعة  معاهم.. معاهم، وعليهم.. عليهم” ، ممن لا يعرف لهم رأي ولا وجه، ألا الرأي والوجه الذي يكون في مصلحتهم.

حمى الله وطننا وشعبنا وقيادتنا من شر كل ذي شر.

كاتب وباحث اردني.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here