ناقوس الخطر يدق.. انهيار وشيك للاتفاق النووي الإيراني نتيجة لضعف أوروبا أمام الولايات المتحدة

د. محمود البازي

الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكدت في تقرير لها، إلى مجلس محافظي الوكالة، أنّ إيران أوصلت، بالفعل، نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 4.5%، متخطية بذلك عتبة الـ3.67%، وهو الحدّ المتفق عليه في الاتفاق النووي. طهران من جانبها هدّدت برفع هذه النسبة إلى أكثر من ذلك في سياق مواصلة سياسة تقليص التعهدات النووية “ما لم تلتزم الأطراف الأوروبية بتنفيذ تعهداتها”، بموجب الاتفاق نفسه.

من المهم أن نعلم أن الخطوات الإيرانية جاءت تحت بند “مالم تلتزم الأطراف الأوربية بتنفيذ تعهداتها”. أي أن الخطوة الأولى التي اتخذتها إيران برفع نسبة التخصيب إلى 4.5 هي نتيجة العجز الأوربي عن تنفيذ التزاماتهم بموجب الاتفاق النووي The Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA).

بعد النقض الأمريكي للاتفاق النووي عام 2018م (في علم الحقوق والقانون هناك فرق كبير بين الانسحاب withdrawal والنقض Breach. فاصطلاح الانسحاب يوحي أن الطرف الأمريكي لم ينقض الاتفاق بل خرج منه أما النقض وهو اصطلاح أكثر دقة، يعني أن أحد الأطراف قد نقض تعهداته وعلى اثر ذلك انسحب) صبرت إيران لمدة سنة كاملة إلا أن الطرف الأوربي الذي شجع إيران على البقاء في الاتفاق النووي بقي عاجزاً، أو لم يكن لديه رغبة بتنفيذ التزاماته الاقتصادية التي تؤمن لإيران الحد الأدنى الذي كانت تتوقع الحصول عليه من الانخراط بهذا التوافق. يبدو أن الأوربيين يفضلون البقاء في “جلباب الولايات المتحدة”، فالفرصة التي مُنحت لهم لم يستطيعوا التشبث بها، وبالتالي يحولوا دون نقض إيران للاتفاق. بل وعلى العكس من ذلك يبدو أنهم اليوم يميلون لوجهة النظر الأمريكية وهنا لا أقصد جميع من وقع على التوافق، بل أقصد بريطانيا. فبريطانيا من جهة تعمل على توقيف غير قانوني لسفينة غريس 1 التي تحمل نفط إيراني، على الرغم من عدم وجود أي عقوبات أوربية ضد النفط الإيراني (والإدعاء بأن العقوبات هي ضد سورية ادعاء باطل نظراً لإن عقوبات الاتحاد الأوربي ضد سوريا تتمحور حول النفط المستورد من سوريا إلى أوربا فقط، وليس النفط الذي يتم توريده إلى سوريا بحسب قانون العقوبات الذي أقره الاتحاد الأوربي في 2 سبتمبر 2011 وجرى تمديده في أيار 2019 إلى حزيران 2020). ومن جهة أخرى يُطل “بوريس جونسون” المرشح البريطاني اليميني لمنصب رئاسة الوزراء (Prime Minister) ويقول بأنه مستعد لفرض عقوبات على إيران حال تم تعيينه رئيساً للوزراء في بريطانيا. باعتقادي بريطانيا عازمة على الخروج من الاتحاد الأوربي بشكل قاطع وتسعى لتنفيذ هذا الانسحاب قبل 2020. ولذلك لا تأبه بما سيلحق الاتحاد الأوربي فيما اذا انسحبت ايران نهائيا من الاتفاق النووي أو قامت الولايات المتحدة بمهاجمة ايران عسكريا. فالانسحاب من الاتحاد الأوربي سيحصّنها من أمواج المهاجرين. إلا أن حساباتهم خاطئة فالقضية لن تقتصر على المهاجرين فحسب بل ستشمل مصالح بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط ككل.

على الجانب الآخر يبدو أن فرنسا وألمانيا تشعران بالخطر الحقيقي ويسعيان بحق للتوسط لتخفيض حدة التوتر بين الأطراف إلا أن سرعتهم بالتحرك بطيئة وغير مرضية للإيرانيين. نحن لسنا محامين ولسنا مدافعين عن أحد إلا أن الوضع القانوني الحالي يحتم علينا إيضاح هذه الحقائق للمواطن العربي الذي قد تشوشه وسائل الإعلام.

في مقارنة بسيطة بين مواقف الأطراف نكتشف أن الإيرانيين يتبعّون سياسة واحدة مشتركة. ولديهم خطاب واحد تقريبا. فموقفهم هو أننا فاوضنا المجتمع الدولي لمدة تصل لأكثر من عامين على أن نحصل مقابل ذلك على تسهيلات اقتصادية ويتحسن الوضع الاقتصادي في البلاد. تأتي الولايات المتحدة لتنقض الاتفاق النووي دون أي مبرر (نظرا لأن لجنة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت مرارا وتكرارا على امتثال ايران التام لبنود الاتفاق النووي ولا يوجد أي نقض من جانبها). يقول الإيرانيون إن من انسحب بطريقة غير قانونية وغير مشروعة عليه العودة إلى الاتفاق ومن ثم يمكن التفاوض.

من جانبها فالولايات المتحدة تعيش مرحلة متذبذبة بحق، نتيجة وجود عناصر شعبوية وصقور اليمين في إدارة الرئيس ترامب. فوزير الخارجية يطرح 12 شرط معجز لإيران كي يبدأ التفاوض معها، ويعود ليتراجع عنها بعد أسابيع. يدعون تارة لإسقاط النظام في إيران ثم يقولون بأنهم مستعدون للتفاوض بدون شروط مسبقة وأن الولايات المتحدة ليس لديها خطط لمحاولة اسقاط النظام في إيران. الرئيس ترامب نفسه ليس لديه خطة واضحة واستراتيجية للتعامل مع الملف الإيراني. ويبدو تسريب اليوم خطرا للغاية إذ أظهرت وثائق مسربة جديدة أن سفير بريطانيا السابق لدى الولايات المتحدة “كيم داروك” يعتقد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران بسبب ارتباط هذا الاتفاق بسلفه باراك أوباما.

وكتب داروك في برقية دبلوماسية تعود إلى مايو/أيار 2018 أن الإدارة الأميركية راهنت على عمل يندرج في إطار “التخريب الدبلوماسي”، وذلك “على ما يبدو لأسباب أيديولوجية وشخصية (لأنها) كانت صفقة أوباما”.

ويعد هذا التسريب جزءا من دفعة ثانية من التقارير المسربة التي نشرتها صحيفة “ذا ميل أون صنداي” الأسبوع الماضي والتي وصف فيها السفير البريطاني السابق الرئيس ترامب بأنه مختل عقليا وغير كفء، وهو ما دفع السفير إلى الاستقالة من منصبه.

نحن هنا لا نصف الرئيس ترامب بأنه مختل عقليا أو أنه غير كفء كما فعل السفير البريطاني، بل نقول بأن الرئيس ليس لديه مسار واضح للتعامل مع إيران. فعليه كخطوة أولى توحيد التصريحات (أو فرضها) على جون بولتون وبومبيو، لنستطيع سماع الأصوات العاقلة الداعية للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران.

الأوربيون من جانبهم اقترحوا آلية اقتصادية (غير كفؤة) لتلبية رغبات إيران الاقتصادية وهم بدورهم يفتقدون للخطة الواحدة والعمل المشترك مع الشركاء الأوربيين وروسيا والصين. ف”انستكس” غير قادرة على توفير أي أموال لإيران بل مهمتها الوحيدة هي تأمين البضائع والأدوية الإنسانية ولا تشمل قطاع النفط الذي يُشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.

في الحقيقة ما يتفق عليه الأمريكيون والأوربيون هو بأن إيران لا يجب أن تتحول لدولة نووية أو إمكانية امتلاكها لقنبلة نووية تهدد الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما نعتقد بأنه مؤمن ضمن إطار الاتفاق النووي وضمن فتوى لأعلى سلطة في إيران.

الستين يوما ستمضي مسرعة، إلا إذا استطاع الفرنسيون القيام بوساطة بين الأمريكيين والإيرانيين على مبدأ تجميد- تجميد أي تجميد العقوبات الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر وبالمقابل تقوم إيران بتجميد التخصيب والعودة إلى المستوى المقرر في الاتفاق النووي. أما في حال فشل هذه الوساطة (التي قبلها الإيرانيون بشكل مبدئي وتنتظر موافقة الرئيس ترامب)، فالعواقب كارثية للغاية وقد يؤدي ذلك لزيادة التخصيب بمعدل 20 بالمائة وفي 60 يوما أخرى قد تنسحب ايران من الاتفاق النووي ومن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية ونعود لمرحلة ما قبل الاتفاق النووي وتذهب الجهود الدبلوماسية التي بُذلت سدى حينها يَصدُق المثل العربي الذي يقول: «كأنك يا أبو زيد ما غزيت».

أستاذ جامعي، دكتوراة في القانون

عضو في كرسي حقوق الإنسان (اليونسكو)، محلل سياسي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. تحليل موضوعي ومتزن يبين حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة في الاتفاق النووي، فلا يجوز تحميل الطرف الملتزم بالاتفاق وفقا لتقارير منظمة الطاقة الذرية هذا الكم من العقوبات جراء التزامه، لأن مثل هذه المعادلة تقلب نظرية الالتزام في القانون رأسا على عقب حيث يعاقب الدائن بسبب إخلال المدين بالتزامه وهو أمر غريب وفق أبسط المبادىء القانونية. قانوني

  2. تحية طيبة للكاتب محمود البازي الذي استطاع بمقالاته أن يغير رأيي بإيران فقبل ذلك كنت أظنها وحش سيبتلع المنطقة أما اليوم أشعر بفخر أنني غيرت رأيي فيها وأنظر إليها على أنها الدولة الوحيدة المتبقية التي تقاوم اسرائيل والولايات المتحدة.

  3. ياله من مقال رائع ومفيد جدا وصف الحالة بشكل دقيق جدا، مشكور جدا جدا دكتور على افادتنا بهذا المقال

  4. مهما صال الغرب المحتال وجال لا بد له في نهاية المآل من أن ينصاع صاغراً فاغراً الى واقع الحال أن في ايران رجال لا يعرفون المحال وستكون نووية إن شاء الله وفي أقرب الآجال رغماً عن أنف الأعور الدجال .

  5. مقال مفيد ومنصف ..شكراً للأستاذ البازي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here