ناصر قويدر : زيارة البابا فرنسيس التاريخية للعراق ماذا سيحمل لنا معه خلافا عن الدعوات الربانية؟

ناصر قويدر

تأتي زيارة بابا الفاتيكان، البابا فرنسيس، غير المسبوقة إلى العراق المقرره يوم الجمعة القادم، في وضع لايحسد عليه. البابا فرنسيس يريد تحقيق حلم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي أراد أن يحج في عام  2000 إلى بيت النبي إبراهيم، أبو الأنبياء، الذي يقع في بلدة أور جنوبي العراق، كما تقول روايات دينية، كرمز للتسامح الديني. غير إنه لم يتمكن من تحقيق مسعاه، بسبب الحصار والحظر الجوي الذي كانت تفرضه الولايات المتحدة على العراق في ذلك الوقت.

الرئيس الأميركي، جو بايدن، الكاثوليكي الثاني بالولادة،  بعد جون كينيدي الذي قتل قبل إنتهاء ولايته، أمر مؤخرا القوات الأميركية بشن ضربات جوية على الأرض السورية، كرد على عملية قصف صاروخي نفذها “مجهولون” ضد إربيل، فهل يرغب  بايدن بإعادة الكرة، ووضع العراقيل أمام زيارة البابا فرنسيس للعراق، ومنعه من تحقيق حلمه أيضا!.

البابا فرنسيس، الذي يصفه البعض بالبابا “الثوري” وآخرون بـ”المحافظ” بسبب مواقف له خارجه عن التقليد الفاتيكاني، فهو رقم “الألف” كزعيم أرجنتيني لدولة الفاتيكان، من خارج القارة الأوروبية. ويعي جيدا بأن واشنطن بذلت قصارى جهدها خلال العشرة سنوات الأخيرة لمفاقمة أوضاع المسيحيين في العراق، بل وفي عموم الشرق الأوسط. ونحن، كمواطنين بسطاء أبناء هذه المنطقة، مسلمين ومسيحيين، كل ما نطلبه منه، نأمل بأن يمنحه الله الصحة والشجاعة الكافية كي يحدثنا عن كل ذلك بصراحة نزيهة، وأن لا تمنعه واشنطن وجائحة كورونا من إتمام رحلته الشاقة؟

وهكذا، عشية زيارة البابا فرانسيس للعراق، المقررة في الفترة من 5 إلى 8 مارس/آذار الجاري، هاجم الجيش الأميريكي سوريا. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، جون كيربي: “يتوجيه من الرئيس بايدن، شن الجيش الأميركي مساء اليوم (25 فبراير/ شباط) غارات جوية على البنية التحتية التي يستخدمها المسلحون المدعومون من إيران في شرق سوريا. وتمت المصادقة على هذه الضربات، ردًا على الهجمات الأخيرة التي تعرض لها أفراد من الولايات المتحدة وشركاء من التحالف في العراق”.

ويذكر أنه يوم 15 فبراير/شباط، تعرضت منطقة مطار أربيل الدولي في كردستان العراق حيث توجد قاعدة عسكرية، يستخدمها الجيش الأمريكي، لهجوم صاروخي. ثم أعلنت جماعة “سرايا أولياء الدم” أو (“كتائب حرس الدم”) غير المعروفة مسؤوليتها عن القصف الصاروخي الذي أسفر عن مقتل موظف مدني محلي وإصابة خمسة، فضلاً عن إصابة جندي أمريكي وعدد من المتخصصين الأمريكيين.

وإعتبر مسؤولون أمنيون غربيون أن إسم هذه المجموعة مجرد “واجهة” لفصائل مسلحة معروفة موالية لإيران تريد انسحاب القوات الأجنبية من العراق.

وأصر وزير الدفاع الأميريكي لويد أوستن، بأنه واثق من أن “الولايات المتحدة وجهت ضربة في سوريا ضد المجموعة الشيعية التي قامت في السابق بتنفيذ هجمات في العراق، بما في ذلك ضد المصالح الأمريكية”. ولدعم مزاعمه، أكد وزير الدفاع الأميركي بأن الجانب العراقي قدم “معلومات إستخبارية” للمساعدة في ذلك!. لكن، وكيف ما آل إليه حال توضيحات الأميركي، فإن رده العسكري في سوريا وليس في العراق، كمنطقة الحدث يحمل لغزا مبهما، وقد يكون مرتبطا بزيارة البابا فرنسيس للعراق.

بالتأكيد، إن الغارة الأميركية ضد سوريا، تمثل إنتهاكا صارخا لمعايير القانون الدولي بغض النظر عن المخاض الأمني الذي تعيشه الدولة السورية منذ عشر سنوات. والإدارة الأميركية الجديدة والبنتاغون يعون جيدا حجم إنتهاكاتهم. وميثاق الأمم المتحدة يوضح بشكل قاطع على أن استخدام القوة العسكرية على أراضي دولة أجنبية ذات سيادة قد يكون شرعيا فقط، في حال الردعلى هجوم مسلح ضد دولة تدافع عن نفسها، تكون فيه الدولة المعتدية مسؤولة عن هذا الهجوم. ونحن في حالة الغارة الأميركية على سوريا، لا نلاحظ أي شيء من هذا القبيل، والحكومة السورية ليس لها اي صلة لا من قريب ولا من بعيد بالهجوم على إربيل.

و إيران أيضا، من جانبها، نفت أي صلة لها بالجماعة المجهولة، التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم في مدينة إربيل. وأدان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده ما وصفه بأنه “محاولات مريبة” لنسب الهجوم إلى إيران. وشدد على أن “إيران تعتبر استقرار العراق وأمنه مسألة حاسمة بالنسبة للمنطقة، وترفض أي عمل يخل بالأمن والسلام في ذلك البلد”.

و للتنويه، يرى مراقبون محليون وخارجيون، بأن أغلب العمليات التي تستهدف المواقع الأميركية، والتي تخلو من قتلى في الجانب الامريكي، بأنها لمجرد عمليات تنفذها جهات تابعة للولايات المتحدة الأميركية نفسها، بهدف النيل من الحشد الشعبي، والقوى الحليفة لايران، لكسب تأييد داخلي وخارجي، تماما كما حصل عندما طلبت دول الخليج مساعدة واشنطن، لإخراج الجيش العراقي من الكويت في حين انها (واشنطن) قبل ذلك، غضت البصر عن صدام حسين وربما سمحت له باسقاط الكويت.

إذن مالذي أراده جو بايدن بقصف سوريا عشية زيارة البابا فرنسيس؟

الرئيس الأميركي جو بايدن، قصف في سوريا، و ابتعد عن العراق كرد على عملية عسكرية نفذها مجهولون على أرض العراق، اراد أن يظهر الجانب الآخر من معادلته بالتعامل مع إيران، وأعني جانب الضغط العسكري، وإنه قادر على فعل ذلك لاسيما بعد التنازلات التي قدمها لطهران في الملفين النووي واليمني، وتعرض بسببها لموجة من النقد الحاد في الداخل الأميركي والإسرائيلي على حد سواء.

 وفي نفس الوقت، إضافة إلى عدم رغبته بفتح مواجهة عسكرية خاسرة مع إيران على الأرض العراقية، حرص بايدن، على أن لا تظهر الولايات المتحدة مرة أخرى، أمام الفاتيكان والعالم، بأنها تعمدت عن قصد مسبق تعطيل زيارة البابا فرنسيس للعراق، لا سيما أن مديونية واشنطن، كبيرة للغاية أمام المسيحيين العراقيين والفاتيكان ذاته.

في عام 2000 لم يتمكن البابا يوحنا بولس الثاني من زيارة العراق بسبب تصرفات الولايات المتحدة. وقيل آنذاك، أن الحصار والحظر الجوي الأميركي الذي كان يتعرض له العراق، حال دون تحقيق حلمه الأخير قبل إنتقاله إلى رحمة الله. غير إن حقيقة الواقع  كما كشفها لاحقا أحد المختصين العارفين بشؤون الفاتيكان من الداخل، هي إن واشنطن منعت البابا بولس يوحنا الثاني من التوجه إلى العراق، لأنها (واشنطن) كانت تعتقد  بأن زيارة من هذا النوع، كان من الممكن، أن “تمنح الرئيس العراقي صدام حسين نوعا من الشرعية الدولية”. لهذا، وفقا لذات المصدر، “مارست الولايات المتحدة مقدارا كبيرا من الضغوط على الفاتيكان في هذا الاتجاه، لمنع الزيارة”.

البابا يوحنا بولس الثاني أدان مرارا العقوبات الدولية التي فرضتها واشنطن آنذاك، على العراق، و لاحقا كان شديدا في معارضته العمل العسكري الذي شنه التحالف الغربي ضد العراق. وكاد أو كان على وشك أن يعتذر بإسم الكنيسة الكاثوليكية أمام شعوب المنطقة، بسبب الحروب الصليبية، وكانت علاقته على الأغلب، متشنجه مع إسرائيل بسبب تأييده للحقوق الوطنية الفلسطينية والوضع القانوني لمدينة القدس. وإتهمته إسرائيل مرارا بالانحياز لمنظمة التحرير الفلسطينية وبالتواطؤ مع النازية بموضوع ما يسمى “المحرقة اليهودية”، حتى بعد أن قدم إعتذار واضحا باسم الكنيسة الكاثوليكية في مسألة الهولوكوست.

إن كافة الوثائق التي درست أحوال المواطنين المسيحيين في العراق، تشير عموما، إلى أن المصائب حلت في منازلهم بدءا من عام 2003 على خلفية الغزو الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بحجة الإطاحة بنظام صدام حسين، تحت ذريعة إمتلاكه أسلحة دمار شامل. وخلال الفترة الأخيرة تناولت المواقع الكاثوليكية الإلكترونية والمنشورات الكاثوليكية هذا الموضوع بتفصيل وموضوعية أكثر.

وتؤكد مصادر التوثيق الكاثوليكية، بما في ذلك الأميركية منها،  أن عدد السكان المسيحيين في العراق بلغ حولي 1.5  مليون مواطن عراقي في عام 2003. وإن هذا الرقم إنخفض إلى أقل من 150 ألف مواطن مسيحي، كنتيجة للغزو الخارجي الذي تعرض له العراق والإضطهاد الذي لحق بهم  بسبب حالة الفوضى وغياب الأمن.

وأشارت تقارير إلى أن عمليات الاختطاف والقتل أثناء الاحتلال العسكري الأميريكي والقيود المالية والتهديدات على السلامة الشخصية، قد أجبرت المسيحيين العراقيين على الهجرة أو الفرار إلى مناطق أقل خطورة في البلاد. وبعد ذلك جاء تنظيم داعش الإرهابي، لإتمام مسيرة الغزو الأميركي، بتوجيه الضربة القاضية لمسيحيي العراق، حيث لا يزالون حتى اليوم، غير قادرين على التعافي من عواقب الجرائم الوحشية  لهذا التنظيم الدموي.

خلال الفترة الأخيرة، عاد تنظيم داعش للتذكير بنفسه من جديد. وتمكن من توجيه ضربات عسكرية للقوى الأمنية التابعة للعراق وسوريا، بالتواصل والتناغم زمنيا مع ضربات لقوى التحالف الدولي الأميركية وإسرائيل.

وقبل أيام  قليلة، أعلن حلف شمال الأطلسي”الناتو” أنه سيزيد من مهامه داخل العراق نظرا “ّلعدم الاستقرار الأمني ومساعدة بغداد في محاربة داعش”، وأن عدد عناصره قد يرتفع إلى 5000 بدلا من 500 في الوقت الراهن، وسيتم توسيعها بقوات متعددة الجنسيات حتى لا تبدو “أمريكية” بالكامل. ونرى إن الغرب يحاول مرة أخرى، تكرار نفس تصرفاته الخاطئة في السابق، لأن الحرب ضد ما يسميه بـ”الإرهاب”، إن كان منصفا، لن تكون فعالة قبل أن يتم قطع القنوات السرية التي تمول الجماعات الإرهابية، والمؤسسات الأمنية والمالية الغربية تعلم  جيدا مسالك قوافل ترحالها، وجميعنا يعلم جيدًا من أي الدول تأتي هذه الأموال، و هناك عدد منها يندرج في قائمة التحالف الدولي الذي أصم أذنينا وهو يزعم بانه موجود في العراق وسوريا لمحاربة “داعش”!.

يعتزم البابا فرنسيس خلال زيارته للعراق، إثارة موضوع الحوار المسيحي ـالإسلامي الذي بحق، يحتاجه المجتمع العراقي كثيرًا، بل والمشرقي عموما. وحتى في ذلك، نرى أن الجانب الأميركي، قد فعل كل شيء، لجعل هذا الأمر صعبًا.

ويروي أحد المواقع الكاثوليكية، نقلا عن الكاردينال ليوناردو ساندري، الذي شغل منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الفاتيكان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أن البابا يوحنا بولس الثاني فعل كل ما في وسعه لمنع الحرب ضد العراق. و أرسل الكاردينال روجر إشغيري للتحدث مع صدام حسين والكاردينال بيو لاغي مع الرئيس الأميريكي جورج دبليو بوش، ولكن دون جدوى. ونتيجة لذلك، أدى الغزو الأمريكي، حسبما كتب أحد المواقع الإعلامية الكاثويكية، إلى أن المسيحيين العراقيين، الذين كان يُنظر إليهم على أنهم مواطنين عاديين في العراق حتى عام 2003، وجدوا أنفسهم في وضع “بدأ فيه المسلمون يشكون في تعاونهم  مع المحتلين الغربيين”!.

زيارة البابا فرنسيس ضرورية للعراق، وقد تساعد دعواته على تراب العراق، بإخراج العراقيين من محنتهم المتواصلة، وقد يخفض وجود الكاثوليكي المولد، بايدن في البيت الأبيض من إحتمالية المواجهة العسكرية في المنطقة، وأن يكون بايدن بحق وفي الواقع، كاثوليكي العقيدة والسلوك، ويخرج قواته من العراق وسوريا. بيد إن ما يرتسم أمام أعيننا من مشاهد على الأرض حتى الآن، يقول عكس ذلك. وإن علينا الاكتفاء بالقناعة والرضى بصلوات ودعاء البابا فرنسيس، ريثما تجلب قوات التحالف الدولي الغربي بزعامة الولايات المتحدة، الأمن والاستقرار والخير والإزدهارفي المنطقة.

ترى هل سنشهد تغيراً في الساحة السياسية للمنطقة بعد زيارة البابا الى العراق؟ أم منعطفاً جديداً نحو زعزعة الامن والاستقرار؟.

باحث أكاديمي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. انشاء الله تكون زيارة البابا للعراق ناجحة. واتمنى من زيارة البابا للمرجع السيد السيستاني له اثر على علاقات الغرب المبهة بمحاربة الارهاب …اهلا وسهلا بزيارة البابا لمهد الحضارات بلاد الرافدين

  2. زيارة بابا الفاتيكان لبد غير مستقر مثل العراق عليها علامات استفهام كثيرة. تخيل معي ايها القاريء لو تم , لا سمح الله, اغتيال البابا في العراق وتم تحميل ايران والموالين لها مسؤولية اغتيالة . تخيل رد فعل الرئيس الأمريكي الكاثوليكي على ذلك: هل سيستمر بايدن في قرارة بالعودة للاتفاق النووي مع ايران؟ هل يستمر في نيتة برفع العقوبات عن ايران على غير رغبة الكيان الصهيوني ودول الخليج؟ السؤال : هل يفعلها الموساد؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here