ناصر قريدر: لماذا دعا بايدن بوتين إلى قمة المناخ،  وهل سيشارك بوتين بأعمالها؟

ناصر قريدر

بايدن هو الوحيد الذي يحتاج لمحادثات المناخ. ودعوته قادة العالم للمشاركة تكشف حالة ضعفه المخفية، الشبيهة بحال الملوك والأمراء العرب عندما يطلبون في لقائهم مع الأقوياء من شركائهم،  إظهار مزيدا من علامات الاحترام، للبرهنة على قوتهم وتأكيد هيبتهم، للاستهلاك الداخلي.

دعا بايدن بوتين للمشاركة في قمة المناخ من بين زعماء أربعون دولة، منها الصين، وإختار إسرائيل من الشرق الأوسط، إضافة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة. وستنعقد القمة عبر الإنترنت يومي 22 و23 أبريل / نيسان المقبل. ويراد منها بحسب إدارة بايدن، أن تعكس عودة واشنطن إلى “خط المواجهة في مكافحة تغير المناخ” بعد تراجعها عن التزاماتها في عهد الرئيس ترامب.

فما هي أوجه “التداخل” بين “خط المواجهة في مكافحة تغير المناخ” و”خط المواجهة السياسية” بين الولايات المتحدة و روسيا، على خلفية أزمة العلاقة بين البلدين، التي تزايدت حدتها مع مجيء بايدن إلى البيت الأبيض، وتتوجت بإسائته إلى روسيا، بإهانة رئيسها بوتين.

الكرملين من جهته أكد (2 ابريل/ نيسان الجاري) أنه تلقى دعوة بايدن للمشاركة في قمة المناخ، ودعوته “قيد الدراسة”، ولم يكشف حتى الآن في حال إذا كان سيشارك بوتين بأعمالها.  لا سيما إن “تفاصيل الدعوة حول كيفية إجرائها” لازال غير واضح وفقا للمتحدث باسم الرئاسة الروسية.

وانقسم المراقبون في قراءة الحيثيات التي أحاطت دعوة بايدن لبوتين في المناخ. واعتبرها البعض، إنها تعكس”رغبة بايدن في فرض أجندته على بوتين”، وإن مشاركة الأخير، تعني رضوخه لإملاءاته. فيما نظر إليها الليبراليون،على حد سواء غربيون و روس، بأنها تشير إلى “تراجع” في نهج بايدن بالتعامل مع بوتين. وإن مرحلة من “التسامح” بدأت بين الزعيمين ستثمر بفتح باب “الحوار” الروسي الأميركي.

وللمثال في الأولى، يرى الأستاذ المشارك في كلية السياسة العالمية بجامعة موسكو الحكومية أليكسي فينينكو، بأن دعوة بايدن لروسيا والصين إلى محادثات المناخ، تهدف إلى “تأكيد تفوق واشنطن الكامل”، ورغبتها في بناء نموذج جديد للعلاقات، مع الدول الأخرى، يقوم على أساس قبولها باستراتيجية  “التفوق الجديدة للولايات المتحدة “.

ويعتبر الخبير الروسي بأن تبني دعوة بايدن لمحادثات المناخ بالشكل الذي بدت عليه، ووافق

قادة روسيا والصين بهدوء إلى محادثات بايدن حول المناخ بعد كل هذه الهجمات المهينة، فان هذا سيظهر وكأنهم من حيث المبدأ يتفقوق تماما مع الهجمات والضغوط الأميركية.

أما في الثانية، فهي تتناقض مع الأولى بالجوهر، وتقول أن دعوة بايدن وموافقة بوتين تعكس “تراجع” بايدن و”تسامح” بوتين، وهي خطوة إيجابية مشتركة نحو بدء “الحوارالبناء” بين البلدين كما فسرت صحيفة “كوميرسانت” الروسية التي تعبر عن فكر الليبراليين الروس.

إذن، هناك حدث واحد يتمثل بدعوة بايدن لبوتين لمحادثات المناخ، ورؤيتين مختلفتين لهذا الحدث، ولكل واحدة لها أسبابها التي جاءت عليها، وليس معلوما أيهما الأكثر صوابا، لا سيما إننا لا نعلم بعد ماذا يعد بايدن لبوتين بعد إهانته له، أو ما هو موجود في جعبته لمواصلة العمل معه. وهل حقيقة يمكن الثقة بصدق “تراجع” بايدن، أو بـ”مسامحة” بوتين بعد وصفه له بـ”القاتل”، أم إن بايدن يعتقد إنه قادر على تركيع بوتين على ركبتيه في حال مشاركة الأخير بمحادثات المناخ!.

عموما، أعتقد أن وجهتي النظر في صيغتهما أعلاه، ـ تركتا مجالا بالحد الكافي لأبداء ملاحظات انتقادية. وفي البداية، من المهم التأكيد على صحة موقف الحكومة الروسية التي حرصت من جهتها دائما، على الحفاظ  بأن تبقى بوابة “الحوار” مفتوحة بإتجاهيها مع الولايات المتحدة.  و”الحوار” الروسي الاميركي مطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بسبب حالة “الاضطراب” الشديد الذي يعيشه عالم اليوم. ولعل تفاقم الوضع العسكري الذي أصبح على شفير الهاوية في شرق أوكرنيا، هو واحد من الأمثلة الحية في يومنا، التي تشير إلى ضرورة إبقاء قنوات الحوار، حيث تموضعت روسيا في خندق، والناتو والغرب في الخندق المقابل، لمساندة جانبي الصراع الداخلي الأوكراني، عسكريا.

غير إن النظر إلى دعوة بايدن لبوتين في المناخ، بأنها تمثل “تراجعا” وخطوة نحو “الحوار” بين روسيا والولايات المتحدة،فإن ذلك بعيد جدا عن الواقع، لأن كلا  البلدين تفسران الحوار بشكل مختلف تماما، وهو بالفهم الروسي، يعني  قبول واشنطن بمبدأ “الشراكة” بالتساوي، كما كان عليه في زمن الاتحاد السوفييتي. وبالتالي، تخلي واشنطن، عن نموذج سيادة “القطب الواحد” الأميركي ـ الغربي الذي تسعى واشنطن لتحقيقه، وبنت كافة الإدارات الأميركية السابقة إستراتيجيتها الجيوسياسية على أساسه، وليس فقط إدارة بايدن.بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي.

كما و تعتبر الولايات المتحدة إن ميزان قواها مع روسيا، يرجح إلى حد كبير لصالحها. ولذلك الأمر،  هي (واشنطن) لا تعترف بوجود ـ الشركاء في قضايا السياسة الدولية. و تعترف فقط، بوجود أعداء ومرؤوسين. وروسيا، اليوم، هي –عدو. لذا فان مفهوم الحوار على مبدأ “الشراكة” ـ مستبعد، ولا مكان هنا للحديث عن بدء مرحلة “للغفران والتسامح” بالعلاقة بين البلدين، والعلاقات الدولية تعتمد مبدأ “المصالح” المتبادلة، و هي ليست معبدا للعفو والغفران، كما هو الحال بين الانسان وربه.

بما يتعلق بوجهة النظر التي عبر عنها الأستاذ أليكسي فينينكو (أعلاه) حول أهداف بايدن من وراء جره  لبوتين و جينغ بينغ إلى محادثات المناخ لفرض “التفوق الأميركي الجديد”، فإنها تبدو غير عملية وبالغ الأستاذ إلى حد ما،في طرح بعدها السياسي أميريكيا. وبموجب فهمي البسيط،  فإن رؤية الخبير الروسي تعني أولا وقبل كل شيء بأن بايدن إختار المسار الأخطر لبلاده وللغرب. وأعني مسار المجازفة  في سبيل كسر شوكة روسيا والصين، سالكا الطريق الأكثر وعورة، في محاولته لفرض “التفوق” الأميركي بـ”القوة العسكرية” وليس فقط الاقتصادية، التي ممكن القول بأن الولايات المتحدة خسرت بعض أعمدتها الأساسية، أو على وشك في المنافسة مع الصين.

وحتىلو بقي الحديث محصورا  في مجال التفوق العسكري الأميركي، فإن بايدن يجازف كثيرا إذا شدد لهجته في هذا المجال.  صحيح إن الولايات المتحدة تتفوق في ميزان القوى العسكري، على كل من روسيا والصين منفردتين، بيد إنه في حال نقل العلاقة بين البلدين والتي أصبحت معدة تقريبا، من حيز”الشراكة” إلى مفهوم “التحالف الاستراتيجي”، فان ذلك سيعوض النقض في ميزان القوى مع الولايات المتحدة التي يجب عليها آنذاك أن تواجه التكنولوجيا العسكرية المتطورة في مجالات عديدة، الروسية والصينية المشتركة، إضافة إلى أكثر من مليار ونصف من البشر.

و في نهاية المطاف، لو سلمنا بحقيقة أن ميزان القوى مع روسيا منفردة، يرجح لصالح الولايات المتحدة، إلا إن هذا “الرجحان”  ليس بذلك القدر، الذي يسمح لبايدن أن يفرض أجنداته السياسية على بوتين، أو توجيه إنذاراته وإهاناته له.

وفي السياق، أرى ضرورة لفت الإنتباه، إلى أن علاقة موسكو الراهنة مع إدارة بايدن الحديثة العهد، لا زالت تعيش فترة المخاض، وكلا الجانبين الروسي والأميركي يستخدمان الآن أدوات ضغط ناعمة و فرقعات بالونية اختبارية وأعمال نفخ، بهدف تبيان خط السلوك الأمثل للتعامل مع بعضهما البعض.

وحقيقة الأمر كما نحن نتصورها، في محاولة بايدن إجبار قادة لأربعون دولة من بينهم روسيا والصين للمشاركة في محادثات المناخ، ببرنامجه المحدد، تعني بحسب “فهم” بايدن،  ـفوزه في إبراز دوره المبادر الذي سيميزه شخصيا، وبأن هذا الدور سوف يسجل له بالخط العريض.

وإلى ذلك، يريد بايدن أن يتأكد من أن الجميع سيشاهد دوره هذا في محادثات المناخ، والتي في واقع الأمر، لا يهم بايدن من أمرها سوى شيء واحد، وهو ـ الاستعراض (شووو) على الطريقة الأميركية، وكيف (سيبدو) هو بايدن، في هذا العرض الأميركي الذي هو منتجه ومخرجه، وسيلعب فيه  لوحده، دور البطولة. لأنه  هو “الوحيد” الذي يحتاج إلى هذا العرض السينمائي، وليس أي زعيم آخر من المدعووين. وذلك من أجل البرهنة على قوته الشخصية أمام معارضيه في الداخل الأميركي، ومن ثم إستخدام هذه القوة في مواجهتهم.

أما بالنسبة لبايدن، وما ستنجم عنه محادثات المناخ في مسألة حقيقة مكافحة تغير المناخ من إتفاقات وقرارات، كان ممكن أن أعلق على ذلك بكلمة ناعمة، واحدة. ولكن المعايير الأخلاقية تقف حاجزا أمام ذلك. بأي حال كان، فان بايدن سوف يتجاهلها، أوفي أسوأ الأحوال سيعمل على “تعطيلها” بالأساليب السرية، ولن ترى النور. إذ أن كافة الإدارات الأميركية السابقة، لم تنفذ قرارات اتفاق باريس بالمناخ، في حين إن إدارة ترامب البراغماتية، إنسحبت منها وأغلقتها لعدم فائدتها للولايات المتحدة.

بكلمات أخرى في سيكولوجيا بايدن وأبعاد الرؤية، تداخلا مع الصراع الحزبي الداخلي في بلاده، و ربطا بدعوته لزعماء العالم إلى محادثات المناخ، فان الرجل يسعى بنشاط حثيث لإظهار نفسه بصورة “المقاتل  الأميركي”، الذي نهض بشجاعة أبطال أفلام هوليود، من بين “الخراب الذي تركه له ترامب”، وها هم الحضور، زعماء العالم الآخرين، بل وكل العالم، وينظرون إليه بإعجاب ويفقون له. وليس أكثر من ذلك. إذ إن بايدن “أهان” بوتين ومن ثم دعاه إلى محادثات المناخ، وهناك أشار إليه  بإصبعه أين يجلس (عبر الإنترنت)، وتعامل معه ومع قادة العالم الآخرين بما هو مؤات ومفيد لمصلحة الولايات المتحدة،، هذا وفقا لسيكولوجية بايدن.

 بيد إن موسكو تدرك كل ذلك، وتنظر إلى محادثات المناخ بأنها حقيقة ليست سوى شكل من أشكال المحادثات متعددة الأطراف. وعلاوة على ذلك، تعرف موسكو أكثر، بحقيقة إن بايدن هو شخصيا، الزعيم الوحيد، الذي يحتاج لنجاح هذه المحادثات، ولا يحتاجها إليها اي زعيم آخر من الذين دعاهم إليها.

بايدن في محادثات المناخ المرتقبة، حاله شبيه تماما بحال من يدعو الآخرين للإحتفال بمأدبة اليوبيل الخاص به، حيث إن “الداعي” بحاجة إلى ذلك، وليس “المدعوين” الكرام. لذا، ممكن القول بكل ثقة، إن دعوة بايدن قادة العالم للمشاركة بمحادثات المناخ، تشكل تعبيرا بارزا عن حالة الضعف الخفية لشخصيته. فهو بايدن بحاجة للجميع، غير إن الجميع ليسوا بحاجة إليه. ولكن، بحضورهم، سيساعدونه على حفظ ماء وجهه، كبديل أو بدلا عن مساومته، للحصول على ضمانات مستقبلية.

ولتقريب الصورة أكثر بشكل خاص للقارئ العربي، أعتقد إنه أصبح من الممكن طرح السؤال بكلمات أبسط، ـما هو المهم لبايدن بالمناخ؟  بايدن يريد من الجميع رؤية ما سيحدث في محادثات المناخ بالطريقة التي يرغبها، وهو حقيقة غير مكترث بمسار محادثات المناخ بحد ذاتها، بقدر إكتراثه بالصورة التي يجب أن يخرج بها في أعين الآخرين. وهنا حال بايدن شبيه جدا بحال  الملوك والأمراء العرب الذين يطلبون من شركائهم أثناء اللقاء مع القادة “الأقوياء” في العالم، المبالغة بإظهار إشارات الإحترام والتبجيل الفائضة عن حاجة العرف الدبلوماسي. لأن ذلك يساعدهم في ـ زيادة هيبة سلطتهم الداخلية في بلادهم، ويخدمهم أمام شعوبهم، كدليل وبرهان ولو شكلي،على إعتراف هؤلاء القادة “ألأقوياء” بقوتهم ونفوذهم.

ولكن ماذا عن بوتين، وما هو المهم بالنسبة له أيضا، وهل سيوافق على دعوة بايدن للمشاركة في محادثات المناخ؟

أعتقد أن بوتين إنطلاقا من مبدأ الحفاظ على السياسة الخارجية المتزنة لروسيا سوف يشارك في محادثات المناخ حرصا منه على بقاء خط الاتصال مفتوحا مع الجانب الأميركي. وعلى الأغلب سوف يستخدم القمة المرتقبة كما إستخدم كافة المنابر الدولية الأخرى لتوضيح رؤية بلاده بما يتوافق مع بنود جدول أعمالها.

غير إن الوضع هنا سيختلف قليلا، ويعتمد على بايدن و مدى قدرته على تحمل إنتقادات بوتين العلانية لمواقف الولايات المتحدة. لأن بوتين قد يلجأ إلى التعامل بقساوة مع بايدن، وممارسة الضغط عليه بنقاط ضعفه الشخصي، وفضح بلاده أمام العالم لعمليات النهب للطاقة، وإنتهاكاتها بالتعامل مع المنافسين في هذا المجال.

وقد يذكّر بوتين بايدن بموجة البرد القارص التي عصفت بولاية تكساس في أواسط فبراير/شباط الماضي وأدت إلى مقتل عدد من المواطنين وتركت أكثر من 3 ملايين أميركي بلا حول ولا قوة ولا طاقة ولا كهرباء في تكساس وحدها.

والإحتمال الآخر، والمستبعد، هو أن يتجاهل بوتين دعوة بايدن لمحادثات المناخ، وهذا يعني أن بوتين رد على بايدن بصرامة أكثر شدة، لأن بايدن يحتاج إلى تدخل بوتين وسلوكه اللطيف لمساعدته في تظهير صورته، وليس تجاهله له أو توجيه إنتقاداته.

 وفي واقع الأمر، في مجال الرد على وجهتي النظر السابقتين، فإن  الحديث يجري  هنا حول مشاركة بوتين في قمة المناخ وليس عن أي مصالح جيوسياسية. لهذا، لن يسمح بوتين وجينغ بينغ لبايدن بفرض اي توجهات سياسية، في حال مشاركتهم. خاصة وإنهما يعلمان بأن دعوته لقمة المناخ ، تعبر عن حالة “ضعفه” الشخصي المخفية، وعن حالة “عجزه” في مواجهة روسيا والصين. طبعا دون أن أنفي حقيقة أن القمة البيئية الكبرى، أصبحت للأسف مكان لن ينشغل فيه القادة بقضايا البيئة،على الإطلاق. لقد أصبحت قمة المناخ والبيئة مشفى علاج الأمراض النفسية لقادة عالميين، ومنبرا لإستعراض القوى، حيث من المهم لبايدن أن يظهر مكانه على المنصة الدولية، وحل عقده النفسية، ولبوتين وجينغ بينغ ما يتفقان عليه ويقررانه وراء الكواليس.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here