ناصر دمج: هل لدى السلطة الفلسطينية خطة؟

 

ناصر دمج

اكتشف العرب المطبعون، مؤخراً بأنهم القومية الوحيدة التي لم تعتنق اليهودية، كمنهج عمل وعقيدة حياة، ليس اليهودية بمعناها الديني بل بمعناها الرأسمالي المتجدد، الذي يعيد هندسة الكون منذ بداية هذا القرن على الهوى اليهودي، وسبق لـ “كارك ماركس” أن أخبرنا عن وصول البشرية لهذا الدرك من الرذيلة، في كتابه الشهير “حول المسألة اليهودية”، حيث قال: “لا يوجد مسألة يهودية بعد أن أصبح العالم كله يهودياً”، ويقصد هنا، انتشار البنوك الربوية التي تدير الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها “بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي” المملوك لليهود بالكامل، ويواصل دوره الفطري كوريث طبيعي للمرابي اليهودي، الذي يتحكم بالدول والحكومات ويقرر مصير الشعوب.

الآن وفي ظل التزاوج العلني الآثم بين المال العربي والعقل اليهودي، وهي فكرة “شمعون بيريس” القديمة، التي استنتجها من أفكار “برنارد لويس” مصمم الشكل الجديد للمشرق العربي، دون أي ذكر أو حضور للعنصر الفلسطيني، كأنه كيان أو كائن مندثر، بعد أن بدد الوطنيون الفلسطينيون الوزن النسبي لشأنهم الفريد، وانتزعوه من كل معادلة تقريباً.

الفلسطيني يواجه الأزمة بلا استراتيجية عمل منتجه

على الرغم من الضجة الكبيرة التي أحدثتها تصريحات المستوى السياسي الفلسطيني المنددة بخطوتي الإمارات والبحرين، إلا أنه يعمل حتى هذه اللحظة بلا خطة، علماً إنه كان من المفروض أن تكون معدة سلفاً، لكن عدم توقعه بوصول الإمارات إلى ما وصلت إليه في العلاقة مع المحتل الإسرائيلي، منعه من إعداد تلك الخطة؛ واليوم يمنعه الارتباك من إنجاز الخطة نفسها، وهكذا يتم هدر مزيداً من الوقت.

وتعمقت حيرة السلطة الفلسطينية وبلبلتها، بعد أن رفضت جامعة الدول العربية مشروع قرار قدمه الفلسطينيون لإدانة الإمارات لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وقررت القيادة الفلسطينية التخلي عن ترؤسها لمجلس الجامعة العربية في دورته الحاليه، وهناك من يفكر بالانسحاب من جامعة الدول العربية.

بعد أن فشلت – فلسطين – في توظيف الإجماع العربي السابق والرافض لصفقة القرن، لرفض مساعي التطبيع الحالية، رغم أن الاتفاقيتين مبنيتين على صفقة القرن، وهي حقيقة جسدتها دولة قطر التي رفضت الإعلان الإماراتي، لكنها وافقت الأمريكان في ختام الدورة الأخيرة من حوارهما الاستراتيجي، على أنهما متفقتان على حل مشكلات المنطقة العربية إنطلاقاً من رؤية الرئيس ترامب للسلام ويقصد بها (صفقة القرن).

واستعاضة عن ذلك، باشرت السلطة الفلسطينية، حواراً جديداً للصلح مع حركتي حماس والجهاد، وخولت تركيا صلاحية الإشراف على هذا المسعى، وهو ما يعني تعميق أزمتها مع مصر ودفعها دفعاً لاحتضان خصوم الرئيس أبو مازن.

وهذه معطيات قاتمة تشير إلى محدودية خيارات السلطة في وقف الهرولة العربية نحو إسرائيل، وبالتالي عدم تمكنها من بناء استراتيجية تصدي فعالة ومؤثرة على الموقف العربي، الذي يرى حكامه بعد ثورات الربيع العربي بأن حكمهم يستمد قوته من حليف قوى، وهو هنا (إسرائيل) وليس الفلسطينيين الضعفاء والمنقسمين.

أزمة الفلسطيني تنبع من التقبل العربي للإسرائيلي كبديل له

يمكن القول: بأن ما تشهده المنطقة من عمليات تطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، هو جني لثمار غراس تمت زراعتها قبل سنين بعيدة، منذ أن وضع (جاد يعقوبي) وزير المواصلات في حكومة رابين في نهاية عام 1975م، مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر، ويشير المخطط إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في المنطقة هو أمر ضروري للطرفين ويتضمن التعاون بين مطاري إيلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين إسرائيل والأردن، وربط الأردن بميناء حيفا بواسطة سكة حديد الغور وتطوير شبكة خطوط حديدية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر بري بين مصر ولبنان.‏

كما قدم (شمعون بيرس) في نيسان 1986م النسخة الأولى من مشروعه (الشرق الأوسط الجديد) خلال زيارته للولايات المتحدة لتجنيد موازنات مالية ضخمة له تضاهي موازنات (مشروع مارشال) الأمريكي، الذي خصص لدعم عمليات إعمار دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، على أن يدعم المشروع الجديد دول الشرق الأوسط بما يكفل اندماج إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها، وحل الأزمات الاقتصادية المزمنة فيها، ووعدت الإدارة الأميركية بدراسة اقتراحات (شمعون بيرس) بعناية مع حلفائها.‏

وتعتمد رؤية بيرس على توظيف النفط السعودي والخليجي، والأيدي العاملة المصرية، والمياه التركية والعقول الإسرائيلية، ضمن معادلة اقتصادية تتحكم بها إسرائيل، بما يكفل لها التحول إلى قوة عظمى، وتعزيز الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية، وجاء في المخطط الذي وضعه صندوق (أرمندهامر) في جامعة تل أبيب، في كانون الأول 1986م، حول مشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي الأتي:‏

“عندما تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي التي تصنع المضمون الصلب للسلام وتضمن استقراره، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها تشكل في حد ذاتها أداة تفاوضية مؤثرة وتقود إلى ترسيخ السلام وحمايته”.‏

ونشر بيرس طبعته الثالثة والأخيرة من مشروع (الشرق الأوسط الجديد) في كتابه الذي صدر عام 1993م منطلقاً فيه من فكرة “أن التعاون مع العرب قائم، وأن إسرائيل ستقوم بدور القائد والمنظم لتحويل النظام الإقليمي الجديد إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي، وبالتعاون والتنسيق معه”.

وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة، قائماً على أسس، (الأرض والنفط والقومية)، ووصفه بأنه عصري يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي، وجاء في الكتاب أن: “هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية”.‏

وحدد بيرس معالم السلام القادم على أنه “أولاً وقبل كل شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي”، ويعترف بيرس بأن فكرة السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل، ويرى أن فتح الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد الحجاز، وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز النظام الإقليمي الجديد الذي يكفل حل مشاكل إسرائيل.

السبات الكفاحي، أسقط الفلسطيني من حسابات الحاسبين

على أية حال، كان من المفروض بناء استراتيجية تصدي فلسطينية قبل توقيع الاتفاقيتين الإماراتية والبحرينية بسنوات، وليس بعد الإعلان عنهما، لأن العمل على ترتيب الاتفاقيتين المذكورتين، من قبل الموقعين عليهما، استغرقهم سنوات طويلة، السؤال خلال تلك السنوات ماذا فعلت السلطة لمنع وقوع ما وقع ؟.

اليوم نواجه حقيقة مفادها، إنه ليس لدينا خيارات يمكننا على هديها مقارعة الخصوم الجدد والسابقون، سيما أن كل ما يتم بناؤه حالياً من علاقات يتم بناء على تأكيد العرب لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بأنهم غير معنيين بقيام دولة فلسطينية، وأنهم على استعداد للتعامل معها دون الحاجة لتراجع دبابات داوود وسليمان إلى الخلف بمقدار ذرة.

وهذا يعني انخراط عربي مباشر بتصفية القضية الفلسطينية، ودفن رمادها، بالمقابل تصر السلطة على انتهاج استراتيجية الانتظار؛ انتظار أي شىء، بما في ذلك، انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين ثاني 2020م، على أمل أن يفوز المرشح الديمقراطي “جو بايدن”، الذي لم يعد أحد بأنه سيقوم بتغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل والفلسطينيين والتطبيع.

وإن صح هذا التحليل، فهو يعني أن القيادة الفلسطينية لم تستفيد من تجاربها أبداً، سيما خيباتها الناتجة عن ثبات خاصية التكاملية في أداء الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهي قائمة على استكمال ما تحققه الإدارة السابقة لتبني عليه الجديدة، لأنهما في الحقيقة إدارة واحدة؛ وليس إدارتان كما يخيل للبعض منا، لذا فإن التعويل على هذه الجزئية أمر فيه إطالة لأمد الانتظار دون أي طائلة ترجو منه.

استراتيجية منتجة، تعني حركة جماهيرة متفجرة

إذن، يمضى الوقت؛ دون أن يكون لدينا إستراتيجية منع فعالة للهرولة العربية الرسمية للصلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولن نتمكن من بناء أي استرتيجية فعالة في ظني، حتى لو تم إتمام المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، إلا إذا كان ذلك مقترناً بإطلاق حركة احتجاج جماهيرية متفجرة، شعارها (دعوا الشارع ينتصر) وتعيد ترسيم الخطوط الفاصّلة بين الفضيلة الوطنية والرّذيلة السياسية، وترفع الظلم عن شعبنا وتعيد التاريخ إلى رشده.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. هدف السلطه هو المحافظة بأي تضحيات تضمن استمرار رواتب القيادة وزبانية القيادة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here