ناصر دمج: العشائرية والدولة المدينية

 

 

ناصر دمج

دعوة رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور “محمد اشتية” للعشائر الفلسطينية للمساهمة في تطبيق النظام والقانون، عبرت بشكل أو بآخر عن وقوف الحكومة الفلسطينية أمام أحد مستويات عجزها السياسي والإداري، كقوة خولها القانون احتكار ممارسة القوة لغايات فرض النظام، ولعل المصاب بالعمى السياسي وحده من لم يلاحظ ذلك؛ وهو عجز نابع من إحساس السلطة بقلة الحيلة أمام المعضلات التي تتصدى لها، ومنها تنفيذ خطة الضم الإسرائيلية وتفشي فايروس كورنا وإضطراب آلية دفع رواتب الموظفين العمومين.

وهي أزمات كأداء ليست بالهينة، وكفيلة بإخراج أي نظام سياسي عن رشده التكتيكي، يعني ذلك أن بعض الأخطاء السياسية، التي من الممكن أن يرتكبها النظام، قد تكون الأخيرة في مسيرة عمله السياسي، لأنها ستودي به إلى الهاوية، من قبيل غلطة المغفور له الرئيس “ياسر عرفات” بعسكرة انتفاضة الأقصى، التي سرعت من نهايته السياسية والشخصية.

المفاتيح القديمة لا تفتح الأبواب الجديدة

إستحضار الأدوات القديمة لمواجهة مشكلات معاصرة، ينطوي على محاولة خاسرة لإعادة إنتاج الفشل، لأن الثورة الفلسطينية المعاصرة بمختلف فصائلها بنت جل أدبياتها على العداء الصريح والمبرر للعشائرية والعائلية كواجهة للعمل السياسي والوطني، وذلك في ضوء ما سببته من ضرر بمسيرة الكفاح الوطني ضد المحتل الإنجليزي والمستوطنين اليهود.

إن خطر العشائرية على البرنامج الوطني أو على إطار العمل الوطني، ليس نابعاً من إحساس زعماء العشائر بالأهمية، بل من إحساسهم بأنهم أهم من ذلك الإطار أو البرنامج، وهو ما يمنحهم – من وجهة نظرهم – حق المطالبة بالشراكة، وهذا ما يصيب مفهوم بناء الدولة الحديثة في مقتل، وهو القائم على اعتبار “أن الدولة هي تعبير، لا عن واقع مادي قائم، بل هي إرادة مشتركة، والطبيعي أن الإرادة المشتركة تتدخل لكي تخلق ما هو غير موجود في الواقع، كالدولة المدنية الحديثة التي تسودها العدالة الاجتماعية ومنح الجميع حق وحرية المشاركة”.

 

لهذا على القائد السياسي مثل الرئيس اليمني المرحوم “علي عبد الله صالح” أن يكون جاهزاً لدفع ما يترصد بذمته من استحقاقات للعشائر، التي يستنجد بها لمشاركته أي نوع من أنواع العمل، وهي بالتأكيد دعوة خاسرة ولا تستقيم مع القيمة العامة للعمل، لهذا السبب نبذت الثورة الفلسطينية العشائرية بكل صورها.

لما كان لها أيضاً من دور مدمر في إفشال ثورة عام 1936م، التي انقلبت عليها العائلات الفلسطينية الكبيرة والوازنة بقيادة آل النشاشيبي وعبد الهادي وحلفاءهم من العائلات الأخرى، ودعوا لتشكيل حزب مضاد للثورة عرف “بفصائل السلام” لا دافعية للالتحاق به سوى دافعية الوقوف مع العائلة والعشيرة.

فصائل السلام العشائرية

تمت الدعوة لتشكيل حزب “فصائل السلام”، بسبب عمليات القتل التي نفذها الثوار ضد العملاء وسماسرة بيع الأراضي الفلسطينيين، والمتعاونين مع المحتل الإنجليزي والعصابات اليهودية، وهو ما لم تسلم به العائلات التي كانت ترى بقتل أبناءها المتهمين من قبل الثوار مساً بمكانتها الاجتماعية والوطنية، وخاصة أن جزء من قادة الثوار كانوا من الفلاحين والمعدمين السابقين، لكن الثورة بسبب شجاعتهم منحتهم مكانة جديدة، وهو ما لم يرق للعائلات الثرية التي كانت تستعبد أباءهم في السابق، لهذا كانت ردة فعلهم عنيفة وقوية ضد الثوار لدرجة إنهم قرروا التحالف مع المحتل الإنجليزي والعصابات اليهودية.

فقرر الحاكم العسكري الإنجليزي لفلسطين، تبني الفكرة التي قدمها له (فخري النشاشيبي وفخري عبد الهادي)، ومجموعة أخرى من رؤساء العائلات وقادة سابقين انشقوا عن الثورة؛ وشاركت تلك الفصائل في القضاء على الثورة الفلسطينية الكبرى؛ ما تسبب بنمو كراهية عميقة تناقلتها الأجيال لكل ما هو عائلي وعشائري وقبلي، لأن هذا النوع من أنواع الانتماء يؤثر الانتماء الكمي على النوعي؛ بمعنى أن العائلة ملزمة بتوفير الحماية والغطاء لأبناءها مهما كانت نوعية وكارثية أخطاءهم، لكيلا يقل عديدها وتبقى قادرة على مواجهة الآخرين حتى لو كان ذلك على حساب الوطن، وبهذه الطريقة تتوفر دائماً نافذة لأبناء العائلات والعشائر للفرار من المسائلة، مستفيدين من تبدل أولويات مرجعيتهم وحاميتهم الشخصية وهي هنا العشيرة؛ التي استبدلت الانتماء للوطن بالانتماء للعشيرة، التي تنتمي لنفسها في الحقيقة، وما نفسها إلا مجموعة من الامتيازات الوهمية التي تبدأ من الفوز بالوظيفة إلى امتلاك السلاح الشخصي والمزارع والبيوت، بينما وطنهم في الجوار استأثر به الغرباء، إن انقلاب مفاهيم الناس بهذه الطريقة هو استقرار جماعي آثم في سويداء الفناء، ومن بعده لا يمكن إستعادة الوطن أو إستدراكه من الضياع لأنه ذهب بلا رجعة.

إن إحساس الفرد بالاستقلال داخل عشيرته، متمتعا بما لديه من امتيازات، يشبه استقلال الشعوب الإغريقية داخل مدنهم التي كانوا يسمونها ممالك، أي أكثر من دولة؛ لأن القبول بالوهم كبدائل عن الحقائق هو قبول بما يؤمن احتياجات القبيلة الوجودي بمعزل عن الوطن.

 

ولهذا الفكر، تأثيراً أكثر خطورة على أبناء العشائر، فالأطفال نواة المجتمع ومستقبله القادم يتربون على أنهم أبناء العشيرة الأقوى والأرقى وأن العشائر الأخرى صغيره محتقره، ضمن منهج تربوي جاهلي يغرس فيهم العنصرية والتعصب، فيتعلموا الحقد والكراهية من نعومة أظفارهم؛ ويتربون على حقيقة وهميه غير موجودة وغير منطقية.

كما أن خطورة هذه الأفكار تنبع من توفر رصيد شعبوي راسخ مرحب بها، داخل مجتمع تغلي تحت صفائحة الاجتماعية نعرات التمييز والجهوية والعنصرية، وهذا مزيج دمر العديد من المجتمعات العربية التي كانت مزدهرة في يوم ما كالعراق واليمن وسوريا وليبيا، وهذه متغيرات ترفع التناقضات الداخلية إلى درجة النزاعات الإثنية بين القوميات في الوطن الواحد، ولا يمكن تقدير مخاطر تفاعل هذه الوصفات إلا بعد فوات الأوان.

مساعدة العشائر للنظم الحاكمة جهد له استحقاقاته المدمرة للأوطان

بلد مثل الجمهورية اليمينة السابقة، لم تكن فيه أية تناقضات قومية أو إثنية، لكن لماذا أقدم اليمنيون على تحطيم بلدهم بهذه الطريقة، – وأقصد قبل دخول الحوثيون على خط الصراع – لقد كان ذلك محصلة لصراع عشائر لها نفس العرق ونفس الدين ونفس المذهب ويمتلكون الوطن نفسه.

لأن العشائر مقابل أقل مساهمة لها (كعشيرة)، مكلف جداً ومدمر جداً، سواء ساهمت بإخلاص أم لم تساهم في فرض النظام والقانون، فإنها ستتقدم فيما بعد للحكومة بمطالبها التي تعكس احتياجات أبناءها للحكومة التي لا تستطيع التهرب من تلبيتها، وجلها ستكون متمحورة حول الوظائف والكسب من المال العام، الأمر الذي سيقوض فرص ومساعي فرض النظام والقانون وتحطيم صروح وقواعد الشفافية والنزاهة والحكم الرشيد، لأن أي عشيرة ترى في إبنها الذي لم يكمل تعليمه، أهم وأحق من حامل الشهادة الفلاني الذي لم يساهم في حماية الوطن وإسناد النظام، لأنه كان على مقاعد الدراسة؛ وعندما تتم المفاضلة فإن الحكومة ستختار ابن من دعمها.

أمام ذلك سنحطم رويداً رويدا أجواء الطمأنينة لدى المواطنين؛ ونشيع في دواخلهم مشاعر الاغتراب وحرمانهم من حقهم في العدالة الاجتماعية وتقييد الحريات، وتعثر سبل المشاركة الشعبية، لصالح فئات بعينها، ومن ثم اعتلال نظم التعامل مع موارد الوطن وخيراته، ما يجعل تحقيق مبادئ المواطنة شبه مستحيل.

 

الفشل هو الذي أوصلنا لهذا الدرك من الانحطاط

يمكن اعتبار دعوة الحكومة للعشائر لمشاركتها عبء الحكم والإدارة؛ تلخيص لحالة تاريخية نادرة، اسمها الثورة الفاشلة التي انتجت سلطة فاشلة، تمكنت من مراكمة هذا الرصيد من الأخطاء، وأصبح لديها قدرة جبارة على العبث بالمصير.

حدث لها ذلك بعد أن فكّكت الثورة، ولم تبني الدولةّ، وبدّدت صلابةَ الكتلةِ الحيويّة الفلسطينيّةِ (الأرض والسكان)، فهيَ الآن في وضع ملتبس على الصعد كافة، قوامُه إنّها لا تريد الكفاحَ الشّامل ضد المحتل، وليس لديها برنامج سياسيّ واضح المعالم للبناء أو التّحرير؛ فأمست سلطةً بلا عقيدة وطنيّة أو قوميّة، وبلا مُعتقد فكري أو سياسي، وتحولت إلى كيان وثني بلا دين، وبات لا ينافسُها أحد في الجرأةِ على الحق الوطني.

وصلت لذلك، دون أن تكلف نفسها عناء التوقف ولو للحظة لتقييم ما قامت به، أو النظر تحت أقدامها لترى أين وصلت ؟ وأين تقف اليوم ؟ أو أي غلال جنت رؤيتها المتشبثة بصوابية “إنه يمكنك إنقاذِ الوطنِ عن طريقِ العدوّ”، التي أنتجت أوسلو وكبلتها لاحقاً بالقيود، وأدخلت السلطة في صميم متاهتها وهي تحاول تحديدِ هويّتها الوطنيّة والقومية، وقبولها بتنفيذ المهام الأمنيّة الوظيفيّة للجيش الإسرائيلي، وتحوّلها إلى كيان أمني يقدِّم خدمات بالأجرة لصالحِ المحتلّ الإسرائيلي، وتحوّلها لأحد أقوى أسبابِ انفضاض عُرى التحالف العربيّ والإسلامي المناهض لإسرائيل، لأنّها شرعت – بسلامِها الخاسر- مساعيَ الاتصال والتعاون الرّسمي العربي والإسلاميّ مع إسرائيل.

لهذا وصل الفشلِ الفلسطينيّ إلى مرحلة اللاعودة واللإستدراك، وبأدواته الراهنة سيكمل طريقه رغماً عنه، ونجد العملاء يمثلون المناضلين في المحافل، والرأسمالين المتخمين يهتفون باسم العمال في الميادين، ويدافعون عنهم في المحاكم، إذن، كيف سنرى النصر ؟ وكيف سنبصر طريق الخلاص والانفكاك ؟

من هنا، يمكن أن نحصل على تفسير للعلاقة الملتبسة والمزمنة بين الجُهدِ الوطني المخلص والتام وبين فشلِه التام؛ في نهاية كل مرحلة نضالية، وهذا ليس من وحي العبث إنما منبعه من اعتناقنا لوصفة الفشل المقيم داخلنا عن طيب خاطر، وقبولنا بالقيادة المزمنة والعابرة للمراحل، لأن خيبات الشعوب لا تُكرّر نفسَها بنفسِها، هناكَ قادة فاشلون يتسبّبون بهذهِ المِحنة لشعوبِهم، لهذا فإن أي أمّة لا تُبادِرُ إلى تغيير قادتِها عندما يجرحون الوطن تستحق الحذف من التّاريخ.

إنّ خيبات الشّعب الفلسطيني المتواصلة بلا توقّف، هيَ كارثة سياسيّة وتاريخيّة كُبرى أنشأتها القيادة السياسيّة التي يسوقُها القدر  لتتحكّمَ بمصيرِه، إنَّ انعتاقَ الشّعب الفلسطيني من هذه اللعنة، يكمن في اختيار قيادة سياسيّة ووطنيّة على مستوى التحدّي التاريخي، على أن تجعل من ارتباطِها بأجندة الآخرين أمراً ثانوياً وليس العكس، لقد استنتج دارسو  تاريخ الصّراع العربي الإسرائيلي، بأن معظم الزّعماء الفلسطينيين كانوا دائماً، تحت المُستوى المطلوب، لشعب يستحق قيادة أفضل تتناسب مع سمو حضوره الطاغي في التاريخ.

العشائرية في السياق الاستراتيجي لتصغير الأمل الوطني

العشيرة بالنسبة لي، هي: مكون رئيس من مكونات الأمة، ودورها يخدم الأهداف العليا للأمة نفسها، لكن المستعمر الغربى يرى بأن للعشيرة دور آخر يمكن أن تلعبه لخدمة أهدافه، وفي هذا السياق يمكن إعادة قراءة رؤية “برنارد لويس” للعشيرة العربية، و(برنارد لويس Bernard Lews) هو مفكر يهودي من أصول بريطانية، من مواليد 31 أيار 1916م في مدينة لندن، لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن.

ووضع نظرية جديدة لتقسم الوطن العربي تعادل اتفاقية “سايكس بيكو” الأولى عام 1916م، التي مهدت لوعد بلفور، وتعتمد نظرية لويس على فكرة “أن العرب والمسلمين قوم فاسدون ومفسدون وفوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أمريكيا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتين”.

ويتابع لويس شرحه لنظريته قائلاً: “ولهذا فإنه أصبح من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية وإلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها إسرائيل.

 

وعلى هذه الخلفية، تم تصميم خطة صفقة القرن وتقسيم منطقة الضفة الغربية لتجسيد مشاريع الانفصال بين أجزاء الوطن لتصبح كل محافظة مدينة قائمة بذاتها،على غرار دول الإغريق المدينية، يُنصب عليها قيادات جديدة من خلفيات عائلية وأخرى تحدد بناء على تعاونها مع مشاريع المحتل وداعميه.

وهو ما تنادي به إسرائيل جهراً، بدعوتها لإحياء روابط القرى والاتصال مع رموز العشائر في مختلف المحافظات، وهذا لا يعني أن العشائر تحولت لعائق أمام مسيرة تحرير الوطن، أو أن مفهوم العشائرية أصبح منبوذاً لا سمح الله.

لأن العشائرية كانت وستبقى أحد أنماط الحياة العربية، لكن المبالغة في الانتماء للعشيرة وتقديسها وإدخال هذا الانتماء في كل اختيارات المواطن السياسية، ومساهمة الحكومة في هذا الجهد المدمر، سيجعل للعشائرية عدة سلبيات، بل وتأثيرات خطيرة على المجتمع، ومنها ما دعا إليه رئيس الوزراء.

وأنا لست من المطالبين بإندثار العشائر التي ستظل تاجاً على رؤوسنا ورمزاً للوطن، وسيظل لكبارها الاحترام والتقدير؛ لكن الوطن سيضمنا جميعاً وستكون مصلحته أولا والانتماء له أولا.

 

خلاصة

يعني هذا بأن دعوة اشتية كان من المفروض، أن توجه للكل الوطني لا تخصيصها لشريحة معينة من المجتمع، ما يوجب التمعن بكلماتنا قبل النطق بها، وشحذ أدواتنا التي نتطلع للاستخدام الأمثل لها، للنجاح في تسخير مقدرات وطاقات شعبنا كافة لصالح المعركة الشاملة ضد المحتل.

(*) مؤرخ وباحث فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. استاذ ناصر كل الشكر والاحترام لشخصك الكريم انت وصفت كل المجتمعات العربية بموضوعك وليس فقط المجتمع الفلسطيني الكريم نتمنى من القامة الكبيرة الدكتور عبد الباري عطوان ان يبقي موضوعك اطول فترة ممكنة وان يوضع بزاوية اوضح ليقرأه الجميع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here