نادية عصام حرحش: وزر النوايا – للفلسطينية نسرين طبري

نادية عصام حرحش

وزر النوايا، رواية هي الأولى للكاتبة الفلسطينية نسرين طبري. الرواية من اصدار دار الفارابي في بيروت – سنة ٢٠١٨ وتأتي في ١٠٩ صفحات.

توقفت مليا امام عنوان الرواية وتساءلت: كيف يكون للنوايا وزر؟  ثم حضرني الحديث الشريف “انما الاعمال بالنيات..” وعليه فإن للنوايا بطبيعة الحال اوزارها.

أحيانا ما اسأل نفسي، كيف تؤثر هويتنا الذاتية التي نحملها بين طيات وجداننا بعبء ازمنة وأماكن عابرة على من نحن عليه الان؟ وكنا في وزر النوايا الكثير من الأجوبة على هذا التساؤل. فنسرين طبري ابنة الناصرة في الميلاد، لكن عائلتها جاءت من طبريا وترشيحا. ولا يمكن عدم فهم مكامن قعرات روايتها الخفيفة في حجم صفحاتها الثقيلة في هم يحمله الانسان الفلسطيني في اعماقه فيستمر بالتثاقل مهما مر عنه الزمن وتغير به المكان.

رواية وزر النوايا، على الرغم من تعدد ابطالها، الا انها تشكل حالة توقف وحدة، من اجل الغوص في سبر الأعماق الداخلية للإنسان، بين البطلة المركزية او البطل المركزي.

تأخذ نسرين طبري القارئ الى رحلة ينقطع فيها الزمن ويتلاشى منها المكان الا بوصف دقيق يعيد تشكيل نفسه في كل مرة لمكان دقيق الوصف مليئا بالتفاصيل، تجعل من القارئ بطلا وحيدا لذكريات الكاتبة التي صنعتها لأبطال روايتها. وكأن الشخصيات في الرواية على الرغم من تكرار أسمائهم وترددهم على مسامع القارئ خلال الرواية ليسوا أكثر من شخصيات ورقية تطير في فضاء شاسع، تستطيع كقاريء ان تشكلهم وتعيد بناءهم وتحدد مصيرهم اذا ما اردت..

حالة من الخطاب الداخلي عالي الصوت، تشعر كقارئ وكأن الصوت يخرج من سبات الأعماق، مترنحا وكأنه في حالة هلوسة.

وكأن القلم ينساب مع العقل الباطني ويفرغ خباياه السحيقة الى السطح.

تخرجنا الكاتبة أحيانا الى مناطق الوعي فينا، وترجعنا وكأنها تجعل من اللاوعي ملاذا امنا لهواجس تخرجها الشخصيات فجأة وفي كل محطة بلا مقدمات. مشاكل اجتماعية ترقى لأن تعرف بأنها مصائب اجتماعية. مصائب نعيشها ونمارسها ونذوتها بسنوات حياتنا، وتشكل حالنا المعاش. لتخرج فجأة امامنا من قعر الذاكرة المستكينة. فتهز كيان القارئ بفاجعة الحقيقة، ثم ترجعنا الى واقع تعتاد الشخصية على ان تعيشه.

بين لغة شعرية تجعلك تعيش عذوب الكلمات ووقع الجمل القصيرة. وبين أفكار فلسفية عميقة تجعلك تتفكر وتسأل وتتأمل، تمر الرواية بين يدي القارئ. ولكنها تبقيك مع حبكة متمثلة بدروب الوعي واللاوعي المتشعبة بين ابطال الرواية المختلفين. فتجد نفسك تتساءل، ما الذي حل بالبطلة، اين صارت، من هي؟ ولكنك تنتهي بشعور لا تهتم فيه الى النهاية ولا تسأل عنها أصلا. لان بين السطور ما يجلك تغلق الرواية وتتفكر في حياتك الخاصة. في درب حياة عميقة لا ننتبه اليها من التفاصيل التي دثرناها بينما شققنا دروب حياتنا. تفاصيل تشكلنا كبشر اسوياء وغير اسوياء. تحملنا بعقد وتعقيدات وتكبل مصائرنا لنكون ما نحن عليه من بشر محملين بوزر النوايا.

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here