نادية عصام حرحش: كفر ناحوم: تسويق المأساة وتجريم الضحية

 

نادية عصام حرحش

بالعادة ممكن ان يبكيني فيلم او مسلسل، ومن الممكن ان أجهش بالبكاء. ولكن لم يقهرني فيلم وأبكاني لدرجة الحرقة كما فعل فيلم كفر ناحوم بي.

لا اعرف ما للاسم من معنى او مجازا يضفي أكثر من معنى لكلمة الكفر والجحيم في مكان واحد. لم تفارقني خلال مشاهدة الفيلم مخرجته التي كنت افتخر بوجودها على السجادة الحمراء، بينما يلتقط العالم الصور لها ولعائلتها، وللطفل بطل فيلمها، والصور المتكرر للمأساة التي جسدها هذا الطفل الحقيقي وعرضها من خلال الفيلم للعالم.

بين رسالة وجهها الطفل الفقير المعدم اللاجئ الذي ولد ونشأ وعانى وسط جحيم حياة تنعدم فيها الإنسانية من أنظمة البؤس العربية في هذه الحالة، وتختفي بها الإنسانية في مجتمعاتنا لتحرق الأموال في الملابس والمظاهر والبيوت والقصور بينما هناك أناس يقتاتون من العدم انفاسهم. رسالة لام فيها الطفل امه على انجابها لأطفال اخرين. رسالة كفر الطفل بالفقر وحمل مسؤوليته لأهل جل ما يقدمونه للحياة طفل اخر يأتي ليزيد المعاناة. وبين حقيقة المجتمع المتجسد بمخرجة الفيلم نفسها. مجتمع تنعدم فيه الإنسانية وتجسد ام الطفل ووالده قمة من الإنسانية لا نفهمها نحن من نعيش في عروش الحياة الكاذبة ونتنعم بمزايا حياة منعدمة على القرب من نواصي حياتنا.

لا اعرف كيف استطاعت ندين لبكي ان تكمل حياتها بعد تلك اللحظة. كيف قبلت ان تدفع او يدفع لها ثمن تذكرة وإقامة وما يتبعها من نفقات وفستان وبدلة وغيرها، بينما تعرف الحقيقة التي سجلتها ونقلتها لنا لنبكيها ونعود لحياتنا وكأن شيئا لم يكن.

كيف استطاعت ان تترك هذا الطفل يعيد تمثيل معاناته؟ لم ار قسوة بحياتي بقدر هذه القسوة.

بالعادة يمكن فصل ما نراه من أفلام عن الواقع، ولكن بحالة هذا الفيلم كنا نعرف اننا نشاهد حدثا ليس فقط واقعيا بل حقيقيا. ان يكون الممثل الرئيسي بالفيلم هو شخص حقيقي يعيد تمثيل حياته ووراءه الكاميرات توثق الحقيقة لمتعة المشاهدة، يبدو أكثر قسوة من حياة الصبي نفسها.

لا يمكن الا التفكير بما حصل بعد الانتهاء من هذا الفيلم. انتهت معاناة زين؟ ربما. ولكن ما الذي تغير في معاناة الالاف بل الملايين من امثاله في لبنان كمثال واحد لمعاناة اللاجئين السوريين، كمثال واحد اخر ضمن مآسي ما يجري حولنا وبالكاد نراه.

كل يوم نرى زين واخوانه واخواته وأبناء كفر ناحوم على الطرقات يتسولون العطف وما نرميه من قروش وبقايا طعام وألبسة. ما الذي يمكن ان تقدمه نادين لبكي للعالم هذا من تغيير، أكثر من صعودها الى قمة النجومية وجنيها للألاف والفرص القادمة لها؟

في وقت قد تكون تكلفة الفيلم تكفي لتزيل مخيم للاجئين وتغير حياة الالاف، قدمت نادين من انسانيتها ما نقدمه عندما ننتشي بإعطاء متسول فقير للقمة تسد جوع ساعة او يوم.

المأساة التي رأيناها بأم عيننا على مدار ساعتين كمن يتلذذ بمشاهدة عملية قتل وحشية امامه وزهق أرواح امام عينيه. كان بها رسالة واضحة ربما من الفيلم وصانعته، بلوم الضحية بدلا من تأكيد وحشية المجتمع المقابل بأكمله.

النظام بدا نظاما عاديا، والقاضي انسانا لطيفا، كما الطبيب والمحامي وحراس السجون التي تم زج البشر فيها بقسوة أكثر من قسوة زج الكلاب في المسالخ لقتلها. كل شيء كان طبيعيا للمشاهد بالنهاية الا اهل زين الذين زادوا العالم مأساة بطفل اخر.

قد تكون الرسائل الحقيقية متعددة، وقد يكون التحليل من حقنا، كما رؤية الفيلم بأصلها للمخرجة من حقها. ولكن في هكذا فيلم يتم دعوتنا فيه لمشاهدة الحقيقة كما هي، لا يمكن الا نقحم المخرج ومن كان وراء الكاميرات في صناعة هذا العمل ونحاسبهم كمحاسبتنا المتوقعة من اهل الطفل ومساءلتنا لهم امام جهلهم واقحامهم لحيوات أخرى في دنيا لا يستطيعون تحمل تكلفة وجودهم عليها. وكأن المطلوب بعد الفيلم ارسال شاحنات لحبوب منع الحمل لمناطق المخيمات لإيقاف هؤلاء البشريون من اقحامنا بالمزيد الأطفال غير الضروريين لهذه الحياة.

وعليه، لا يمكنني الا محاسبة نادين لبكي بهذه اللحظة وسؤالها، ما الذي ستقوم به بعد هذا الفيلم من اجل المخيمات او هذا المخيم الحقيقي الذي كشفته امامنا؟

هل هؤلاء الفقراء هم الملامون ام اننا نحن من نعيش حياة عادية مليئة بكل الرفاهيات مقابل ما يجري معهم المجرمون الاصليون.

من السهل رمي اللوم على الحكومات والأنظمة الفاسدة والظالمة والمستبدة. ولكن الملام الأول نحن، الذين نعرف اننا نأكل ببذخ بينما نعرف ان هناك من يمكن ان يعش شهر على وليمة نمدها على طاولاتنا. ان نشتري من الملابس ما يطيب لنا وما نكدسه بالخزائن ونعرف ان هناك مخيم بالآلاف ممكن ان يلبس بما استرينا للتو من أحد المحلات ذات الماركة الكبيرة.

تكلفة هذا الفيلم كان من الممكن ان تغير ملامح حياة سكان كفر ناحوم، وريعه ممكن ان يحسن من حياة المنكوبين في لبنان إذا ما قارننا ما نعيشه ونصرفه بشح الفرص وانعدام الحياة من ابسط مكوناتها امام هؤلاء.

كفر ناحوم وابتسامة زين الأخيرة بالفيلم هي لعنة ستطاردنا الى قبورنا ما دمنا نعيش في دفء ونعرف ان هناك على الجانب القريب من يموت من البرد وهناك من البطانيات ما تمكن من تدفئة عظام عائلة في خزانتنا.

ما دمنا نأكل من طيبات الطعام والشراب ونعرف ان ما ننفقه يمكن ان يطعم عشرات الجائعين.

ما دمنا نحمل حقائب بمئات والاف الدولارات، ونلبس بالمئات والالاف ونعرف انه بالجوار من يستر جسده بخيش الاكياس ويقتات من القمامة طعام عائلته.

كاتبة من القدس

 

 

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لقد أبكاني مقالك ايتها الكاتبة الإنسانة في زمن أصبحت فيه الانسانية شبه مفقودة في هذا العالم المنافق الاعلام العربي يحاول جاهدا ان يجرد الانسان العربي من انسانيته كما جرده من كرامته ومن عروبته
    لم اشاهد الفيلم لكن سمعت عنه لكن هذا المقال الصادم والصادق جعلني أتردد هل اشاهده ام لا ؟ ربما اذا شاهدته سأكره نفسي لاني ولدت عربيا في عالم عربي تم تدميره دمره من هم يدعون انهم عرب أقحاح وهم في الواقع مستعربين هُم أدوات للمستعمر الذي ليدمر وطننا العربي باموالنا ويشوه حضارتنا بسواعدنا الى متى سنبقى متفرجين على هذه المأسي التي يسببها هؤلاء الانذال عملاء الاستعمار الذي يحتقرهم بقدر ماهم يخافوه ويطيعونه

  2. Moumtaza by all standards….I enjoyed reading one of the most breath-taking article about this film…doumti lana…

  3. Salami Ileyki /dr abed el bari atwan/prof Khaled @ you are the top of beauty and eloquence ….I enjoed reading about this film …especially this one …Shoukran laki ….

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here