نادية عصام حرحش: ريم بنا.. بشرية في حجم إنسان

نادية عصام حرحش

إستيقظت على أحلام أقرب إلى الكوابيس. نظرت إلى السماء من شباك غرفتي، وظننت أن هناك خلل ما في ذاكرتي. فبالأمس كان الربيع مرحبا، مبتهجا، تتراقص الطيور فيه مع زرقة السماء الصافية.

إقفهرار عجيب في السماء. هدوء حزين. زخات مطر تنزل على استحياء. غراب يقف على حافة عامود الكهرباء.

رحلت ريم بنا …كان الخبر يتردد على شبكات التواصل المختلفة.

حزن مستحق….قلت في نفسي.

رافقت ريم بنا جمهورها، في رحلة مرضها القاسية، والتي تحولت فيها الى رمز للقوة، وقدمت تجربتها مع المرض بوعي، وساهمت في تسليط الضوء على معاناة مرضى السرطان من ناحية توعوية، عكست فيها الصلابة والإصرار والتحدي والمقاومة. قدمت ريم بمرضها الإنسان الفلسطيني المقاوم. كانت فرصة لتصرخ مرة أخرى هذه المرة، بجسدها، وشعرها الحليق،لتتحدى المرض الذي احتل جسدها بغتة،كما كان تحديها لحياة تحت الاحتلال تحاول المراوغة في العيش من خلاله.

خرجت من عالم الطفولة،بسنوات مراهقة كانت تشكل فيها ريم بنا انتفاضة من نوع آخر في حياة البنات.إنتفاضة رافقت تلك الإنتفاضة الوطنية في توقيتها. بالنسبة لفتاة كان الوطن يشكل حلما في وجدانها، سماع فلسطينية من الناصرة على شريط الكاسيت كان بالنسبة لي حدثا عظيما.

ريم شكلت إمكانية الحلم في ذهني، وحلقت من خلالها نحو المرأة التي أتمنى ان أكون، حرة، متبرجة، جريئة، تقدم ما هو مختلف ويحاكي العصر الجديد..جفرا …كانت تعكس روح جيل يحاول الإنطلاق نحو نفسه.

لا أعرف إن كنت احببت صوتها، الحقيقة أنه لم يعجبني، ولكن آداءها وحضورها وفحوى أغانيها كان لا يقل أهمية في ما قدمته.

بعد سنوات عندما صرت أما ، كانت أغنية “قمر ابو ليلة” رفيقا لبرامج الترفيه الذي كنت أحفظه لأبنائي. كان من السهل أن أردد كلمات أغاني بصوتي الذي لا تتجانس معه أي موسيقى. كانت الكلمات عذبة، دافئة، قريبة ” قمر أبو ليلة..شو تعشيت الليلة؟خبز وجبنة مالحة من عند عمتي صالحة..خبز وجبنة وخيارة من عند ستي الختيارة…”.

كانت ريم فنانة ذكية في اختيار نسقها الخاص بالاغاني والألحان. وشكلت مع السنوات نموذجا مهما في الفن الفلسطيني.

مرضها في السنوات الاخيرة، أخرج الإنسان فيها ، ذلك الإنسان الذي رددت في أغنياتها معانيه التي تبحث فيها عنه. لم يكن مصادفة ترديدها لأشعار توفيق زياد : “واعطي نصف عمري،للذي يجعل طفلا باكيا يضحك….واعطي نصفه الثاني، لأحمي زهرة خضراء أن تهلك…وأمشي ألف عام خلف أغنية، وأقطع ألف واد شائك المسلك…وأركب كل بحر هائج، عند شواطيء الليلك.أنا بشرية في حجم إنسان …فهل أرتاح والدم الذكي يسفك…أغني للحياة، فللحياة وهبت كل قصائدي، وقصائدي هي كل ما أملك.”

ريم بنا ، حاولت خلق اختلاف بالفن الفلسطيني، وسط عالم “مؤسرل”، وجاهدت من أجل أن تكون فلسطينية بإحياء تراث كان يرافقها على المسرح من خلال مجوهراتها وأثوابها، ومن خلال أغاني وتهاليل تراثية أعادت توزيعها وإخراجها بروح عصرية.

وكذلك عملت ريم اختلاف في المرض، وحولت صراعها مع المرض إلى صراع من أجل التمسك بالحياة حتى آخر نفس فيها . بثت الأمل في نفوس المرضى والأصحاء ، وحولت المرض إلى رفيق ….

وفارقت الحياة وقد ملأتها أملا وحبا. اختلافا وتشابها. حزنا وفرحا. عتابا وامتنانا..

فارقت الحياة وانحنت لها الطبيعة في تهليلة تؤكد ان البقاء للإنسان ليس بجسد ، ولكن بروح ستحلق وتبقي ذكريات أبدية في وجدان أمة لا تزال تبحث عن وطن لها في أرضها .

باختلافنا واتفاقنا مع ريم… نودعها بحب وحزن ، ضارعين الى اللله رحمة لها وراحة..

وهلا لا لاليا…وهلا لا لا ليا ..عيني يا لبنية..يا نار قلبي اشعلي واشوي لحنية…والبنت قالت لامها يما ظلمتيني ، اول عريس حين اجا ليش ما اعطيتيني.تاني عريس ان اجا دينه على ديني … وان كان ما في ورق لاكتب عجناح الطير وإن كان ما في حبر بدموع العين ….هللالاي…

لروحك سلام

 

 

http://nadiaharhash.com

 

 

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ليت سكان المقاطعه يتعلمون شئ من الوطنيه التي عشقتها ريم بنا رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه هي فعلا وطن باكمله

  2. أتفق معك يا سيدتي في معظم ما كتبته عن الراحلة ريم بنّا الفنانة، الأنسانة، الفلسطينية، بأثوابها ومجوهراتها وخروجها على الملف دون شعر بعد الإصابة بالسرطان، وبتحديها للمرض، وقوة تمسكها بالحياة ومقاومتها للمرض. أليست وطنية فلسطينية هي ريم؟ أليست فلسطين شغفها وقضيتها وإرثها وقلبها وحبها ومقاومتها للعدو الذي قارعته يوميا في أرض فلسطين الحبيبة؟
    مهما اتفقنا أو اختلفنا مع ريم، وسواء أحببنا الاستماع لصوتها أم لم نحب، إلا أننا جميعنا نتفق على أن حياتها وكلماتها وأغانيها وألحانها خصصت كليا لفلسطيننا. وهكذا ترحل ريم البنّا وتبقى قضيتها وشغفها وحبها فلسطين، فلسطين، فلسطين التي أنجبت ريم البنّا وعهد التميمي وغيرهما من النساء المؤمنات بالفضية بأساليب مختلفة.
    السلام على ريم وعلى روح ريم وعلى أغنيات ريم التي ستخلدها، والبقاء والتحرير لفلسطين الباقية أبد الدهر والتي ستعود لنا ولريم محررة، سيدة، مستقلة.

  3. العالم الذي به أبدعت ريم بالفن الفلسطيني لم ولن يكن مؤسرلاٌ وإنما عالم تحت الإستعمار الصهيوني إذا كنت لا تدرين، فأنت معذوره.

  4. فنتازيا الموت
    ريم بنا عنقاء الجليل ترحل بصمت بلاوداع او دموع أومودعين كشمه مشتعله في مهب الريح تحمل معها الام الناصري وامه حملت معها آهات كثيره والالام حارسة هذه الأرض منذ فجر التاريخ لتكتب لفلسطين ترنيمه كنعانيه وآيه قدسيه
    ها أنت تحاولين إلقاء النظرة الأخيرة على العيون التي تنظر إليك. لا تعرفين الآن معنى هذه النظرات، هل هي نظرات توديعٍ أم نظرات حزن أم هي نظراتٌ تتوسل إليك بأن تبقى. أنت نفسك ترغب في البقاء، ولكنه رحيلٌك القسري. تفتح السماء له أبوابها لينزل الزائرون ذوو الأجنة الخضراء في موكب (صامتٍ) وقور، لا يعرفون معنى الالتفات. ملامحهم لزجة تحملُ معنى الحيادية. يخرجون – أو ينزلون – من الأبواب الفوقية، لكنّهم يدخلون من كل مكان. ينقشع عنك الحجاب فتراهم للوهلة الأولى. لا تعرفينهم، ولكنّك ستغادرين معهم، لذا يجب عليك أن تعتادين عليهم، وعلى وجوههم المُجرّدة. كأنّك لا ترىين غيرهم، يغمرون المكان حيزاً إضافياً ويجلسون حتى دون أن يلقون التحية، تعدّهم، تجد أنهم ينقصون شخصاً، يبدو أنهم في انتظارك الآن…. وداعاً ريم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here