نادية عصام حرحش: “جزء مؤلم من حكاية” أم ببساطة حقيقة لواقع أليم

نادية عصام حرحش

أمير تاج السر، الكاتب السوداني الرائع، رافقني على مدار شهور برواية رائعة بمذاق قلمه، مؤلمة بمرارة الحبر إذا ما خدع على غلاف الرواية، إذا ما خدع الناظر بين دم مفترض او شرابا أحمرا حلوا.

منذ أن بدأت القراءة المسموعة وقلت قراءاتي الورقية، وصرت أكثر انتقائية وحذرا في القراءة.

“جزء مؤلم من حكاية” هي الرواية الثانية التي أقرأها للكاتب السوداني الكبير. الرواية الأولى كانت مرشحة بجائزة البوكر وكانت حازت على المرتبة الثانية في القائمة القصيرة في العام الماضي. كانت تلك المرة الثانية التي اطرح على نفسي سؤال: كيف يتم اختيار الروايات الفائزة في هكذا جوائز؟ فعندما تقف امام رواية بحجم هذه الرواية، وترى رواية أخرى تفوز بينما لا تقترب حتى من قوة هكذا رواية في حبكة او صياغة او ترابط او غنى معاني وتعابير. ليس من السهل ان يصل الكاتب الى مرحلة يصبح فيها اديبا. وما قدمه امير تاج السر في تلك الرواية كان أدبا خالصا.

صادفت قراءتي لهذه الرواية، في وقت حازت رواية “سيدات القمر” على جائزة البوكر مان العالمية. ووقفت امام نفسي مرة أخرى بالتساؤل عن معايير اختيار الروايات لهذه الجوائز. أعترف انني أصل تدريجيا الى أزمة صريحة امام نفسي مع الفكرة الاستشراقية بكل ما نحيا. فالموضوع يصبح بمعاييره مرتبط بما يريد الغرب المستشرق من شكل للشرق بالأدب في هذا الصدد. فهل مصادفة اختيار الأقل جودة وصياغة وابداعا وترابطا وعاكسا او معبرا للواقع ومترجما او ناقلا للثقافة العربية من قبل هذه الجوائز، سواء كان موقعها بالشرق او بالغرب؟

على الاعتراف أيضا ان الذائقة الأدبية متفاوتة، ما يعجبني ليس بالضرورة رائق لذائقة غيري في القراءة. ولكن تبدو لي الازمة فيما يحصل من اختيار روايات في هكذا جوائز مريب وخطر للمستقبل. فهذه الاعمال ومن يقدمونها، سيكونون جزء من تاريخنا بعد سنوات طويلة. عندما نغيب كشعوب حالية عن الوجود، ستبقى هذه الاعمال لتقدمنا وتعكس ما كان حالنا عليه. وما يبدو ممنهج هنا، هو ما يقوم فيه الغرب بفكره الاستشراقي تثبيته ليصبح هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها بالمستقبل.

ما يجري من حروب في الشرق تطول الحجر والتراث والحضارات التي بقيت للآلاف السنين قبل ان تطال الانسان وتشرده الى المحيطات وما وراء البحار تبدو أكثر من خطة حرب يراد فيها فقط الاستيلاء على خيرات الشرق من نفط وغاز وموقع استراتيجي للتجارة والنقل. هناك ارث حضاري يتم تصفيته منذ بدء الحرب على أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا والسودان ووصولا الى اليمن، ومحاولات لا تتوقف لانهيار إيران. فهذه البلدان ليست مجرد بلاد نفط وغاز او نزاعات للأصوليين والدكتاتوريات. هذه بلاد صنعت فيها حضارات شكلت ماهية العالم المتحضر في وقت لم يكن الغرب فيها أكثر من متسكع تائه غير فاعل في ملكوت الكون.

من اجل هذا على من يرون الصورة بأبعاد أخرى- ليست بالضرورة هي الصورة الصحيحة، ولكنها محتملة كغيرها من الصور والفرضيات- ان يتمسك بأصول الخير فيما نملكه هنا في الشرق.

في رواية “جزء مؤلم من حكاية”، قدم امير تاج السر ما هو اشبه بالعبقرية في خلق واقع متخيل من مدينة او مملكة، تحمل القارئ للتساؤل وربطها في مدينة او مملكة حقيقية نعيشها هنا. تحملنا من زمن بعيد كما هيأ لنا الكاتب في حبكتها، الا انها تعاصر تفاصيل حياتنا اليوم. فإذا ما كان الواقع المتخيل لرواية أديبنا كانت في القرن الثامن عشر، فلم يتغير من ذلك الواقع في حقيقته اليوم في القرن الواحد وعشرين شيئا الا تفاصيل العصر الحالي.

“مرحلي” القاتل المأجور الذي ينفذ بلا سؤال، وتعلم التعايش والاستئناس مع اشباح ضحاياه الذين لا يعرفهم. ” ديباج” العقل المدبر لجرائم يفترض انها قادمة وفق أوامر ومصادر أخرى، تجعلك كما تجعل “مرحلي” يظن ان هناك عصابة او جماعة متنفذة تقوم بقرار الاغتيالات. مجتمع عاهرات قذرات كانعكاس وحيد لما هو متاح، فقر يجعل من العدم أملا، ومن القاذورات وطنا، ومن معتدي على الأطفال عته، صاحب وسام الخلود من الملك. أساطير وأشباح تحط على القاتل المأجور ولا تقترب من المؤجر، فهو يبقى دائما بريئا بعيدا عن الشبهات حتى ولو كان اسمه في “قائمة الحقراء”.

تنتهي الحكاية بحقيقة موجعة ل “مرحلي” الذي رغم الشكوك وعدم الراحة وصحوة الضمير الغائب وظهور الاشباح وتعدد الإشارات والتنبيهات، بتنفيذ مهمة أخيرة طلبها منه “ديباج” تنتهي بالتخلص منه لأن قاتلا أفضل منه، متعدد المواهب ويطيع فورا وبلا تردد اثبت ولاءه الكامل. والاهم من كل هذا استرداده لما دفعه من اجر على مدار العقود!

” مرحلي يا اخ.. انت شخص جيد.. صدقني جيد ومخبول وغريب وغبي من طراز محبب. طراز نادر، انت في الحقيقة اذكى غبي أصادفه.

أنا أقول ذلك واكرره، لكن دائما هناك ما هو اجود من الجيد، وأفضل من الأفضل نفسه، وأكرم وانقى من الكريم والنقي، هناك شجرة مانجو تثمر بطريقة رائعة، وشجرة مانجو أخرى تثمر بطريقة أروع.. هناك نملة مجتهدة في لم قوتها، ونملة ثانية مجتهدة في لم قوتها، وقوت اخريات. هناك امرأة فائقة الجمال وامرأة تفوق فائقة الجمال، وانت تعرف ان كثيرا من الحيل التي تمتلكها وامتلكتها طيلة تلك السنوات، كانت ممتازة، خدمت جنوني، لكن ذلك لا يكفي.

كانت تأتيك رسائل للمهمات، وتنفذها بلا ابطاء، وتسأل أحيانا…واقول لك دائما، بكل بساطة: لا اعرف. لا اعرف يا اخ.. اقسم لك لا اعرف.

في الحقيقة لا يوجد سبب على الاطلاق، ولا يوجد أصلا من يدفع لي او لك لتسرق الروح من أحد، هو خطي الذي اجيد التحوير فيه. كما اريد، من دون أي مشكلة هي دنانيري التي املكها واعيرك إياها فقط، واعرف أني سأستردها ذات يوم وقد استرددتها فعلا، استرددتها اضعافا….

ستسأل. لماذا اختار أشخاصا مسالمين او حتى أشرارا، وادفع لقتلهم؟

لا سبب واضحا حتى لدي انا……”

جزء مؤلم من حقيقة نستمر بعيشها من أجل “اخ” يبيعنا الدنيا بوهم خادع كبير، معتمد على طمعنا وضعف نفوسنا من اجل بعض الدراهم التي نكتنزها او نسرف باستخدامها لما ينصحنا هو به او من اجل ان يأخذها منا من جديد برغبة او بخديعة لن يتردد بأن تكون روحنا هي ثمنها.

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here